أزمة النفايات في طرابلس “محلولة”

بعد رفض عكار والمنية ودير عمار استقبال نفايات طرابلس، ووصول المطمر الحالي إلى أقصى قدرته الاستيعابية، وجدت الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة لمعالجة أزمة النفايات في المدينة. وفيما تتجه بلدية طرابلس إلى خطة تقوم على إعادة فتح المطمر الحالي موقتًا، وإنشاء مطمر بحري، وصولا إلى مشروع دائم في البداوي، يفنّد الدكتور جلال حلواني، رئيس لجنة البيئة في المجلس البلدي السابق والخبير الدولي في البيئة والمياه هذه الخطة، محذّراً من المخاطر الهندسية والبيئية للحلول المطروحة، وداعيًا إلى إنشاء مركز متكامل لإدارة النفايات ومعالجتها بدلا من اختزال الحل في محرقة.
إعادة فتح المطمر الحالي
يشرح حلواني في حديث إلى “نداء الوطن” أن “الخطة تقوم على ثلاثة حلول مترابطة زمنيًا. الأول إعادة فتح المطمر الحالي لمدة ثلاثة أشهر، ريثما يجري التحضير للحل المرحلي، الذي يتصل بإنشاء مطمر بحري موقت، على أن يُستخدم لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. وخلال هذه الفترة، يُفترض التحضير للحل الثالث، المتمثل في إنشاء مركز لمعالجة النفايات في منطقة البداوي، على أرض سبق أن استُملكت من قبل بلدية طرابلس لهذه الغاية”.
لكن الحلّ الأول، وفق حلواني، يصطدم ببلوغ المطمر الحالي أقصى قدرته الاستيعابية، استنادًا إلى الدراسات الهندسية التي أُعدّت له. ويرى أن تمديد عمر المطمر يبقى احتمالا مرتبطًا بموافقة الاستشاري الهندسي، وقد يؤمّن فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر كحد أقصى، لكنه يحمل مخاطر، من بينها احتمال حصول انهيارات.
ويستعيد حلواني تجربة سابقة حين ارتفع جبل النفايات من نحو 35 مترًا إلى 45 مترًا، رغم المخاطر الهندسية المرتبطة بذلك، معتبرًا أن اللجوء مجددًا إلى هذا الخيار لا يشكّل حلا نهائيًا، بل محاولة لكسب الوقت في انتظار تجهيز البديل.
اقتراحان للمرحلة الثانية
أما المرحلة الثانية، فتتضمن، بحسب الدكتور جلال حلواني، اقتراحين ضمن خطة بلدية طرابلس لمعالجة أزمة النفايات. يقضي الاقتراح الأول بردم مساحة من البحر مقابل محطة تكرير مياه الصرف الصحي، لإنشاء مطمر بحري موقت يُستخدم لمدة ثلاث سنوات، ريثما يُنجز الحل الدائم في منطقة البداوي.
أما الاقتراح الثاني، فيقوم على ردم مساحة بحرية قبالة العقارات المستملكة في البداوي، وهو خيار طرحته الهيئة الوطنية لإدارة النفايات، وفق حلواني. ويرى أن هذا الموقع قد يكون أقل كلفة من الموقع المقابل لمحطة التكرير، فضلا عن إمكانية الاستفادة منه في المرحلة الثالثة، من خلال تخصيص جزء منه لطمر العوادم الناتجة عن معالجة النفايات، والتي تتراوح نسبتها بين 10 و20 في المئة من إجمالي النفايات.
ويشير حلواني إلى أن المفاضلة بين الموقعين ستعتمد بصورة أساسية على الكلفة، مرجّحًا أن تتجه الخطة إلى الخيار الأقل كلفة، خصوصًا إذا أمكن الاستفادة من الردم البحري في المرحلة الثالثة أيضًا.
وفي ما يتعلق بالردم البحري، يقرّ حلواني بأنه ليس حلا بيئيًا أو مستدامًا، لكنه يصفه بأنه “شر لا بد منه” في ظل غياب عقارات مناسبة لإنشاء مطامر صحية. ويستشهد بتجارب الجديدة وبرج حمود والكوستا برافا، حيث جرى اللجوء إلى الردم البحري في ظل محدودية البدائل، مشيراً إلى أن هذا الخيار لا يزال مطروحًا في ملف مطمر الجديدة، سواء عبر توسيع المطمر القائم أو استحداث خلية جديدة.
من البداوي إلى مركز متكامل
وتتركز إحدى أبرز ملاحظات حلواني على الحل الثالث، الذي يفترض أن يشكّل المخرج الدائم من الأزمة. فالعقار المخصص في البداوي، وتبلغ مساحته نحو 30 ألف متر مربع، يجب أن يكون، برأيه، فرصة لإنشاء مركز متكامل لإدارة النفايات ومعالجتها، لا أن تنتهي الأمور بمحرقة.
ويؤكد حلواني معارضته للمحارق، داعيًا إلى اعتماد مشروع شامل يضمّ الفرز والمعالجة والاستفادة من النفايات، بما يحدّ من الاعتماد على المطامر ويؤسس لحلّ مستدام على المدى الطويل. كما يحذّر من مخاطر التلزيمات في ظل ما وصفه بالفساد، مشيرًا إلى احتمال وجود فوارق كبيرة بين الكلفة المعلنة للمشاريع والكلفة الفعلية لتجهيزاتها. ويضرب مثالا بمحرقة قد تبلغ كلفتها المعلنة 200 مليون دولار، فيما لا تتجاوز كلفة تجهيزها الفعلية 50 مليونًا، وهي مقارنة تبقى منسوبة إليه وتحتاج إلى تدقيق مستقل.
بين تمديد عمر المطمر الحالي، والاختيار بين موقعي الردم البحري، وصولا إلى طبيعة المشروع المزمع إنشاؤه في البداوي، يرى حلواني أن معالجة أزمة طرابلس لا ينبغي أن تقتصر على إيجاد أماكن جديدة للتخلص من النفايات. فالمطلوب خطة واضحة، بجدول زمني وتمويل محدد وآليات رقابة ومحاسبة، تجعل من العقار المخصص في البداوي مركزًا متكاملا لإدارة النفايات ومعالجتها، بدلا من اختزال الحل في محرقة قد تفتح الباب أمام أعباء بيئية ومالية جديدة.
المصدر: نداء الوطن – مايز عبيد




