ما دلالات نسبة التصويت المرتفعة في الانتخابات الإسرائيلية؟

بدأ الإسرائيليون الإدلاء بأصواتهم بأعداد كبيرة الثلثاء وسط ارتفاع ملحوظ في نسبة التصويت رغم انقسامات عميقة لتحديد مصير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أول انتخابات منذ هجوم حركة “حماس” في السابع من تشرين الأول 2023، الذي يحمّلونه المسؤولية عن الإخفاق فيه.
شهدت نسبة المشاركة في الانتخابات مستويات قياسية إذ بلغت مع منتصف اليوم الانتخابي 44,9 في المئة، وفق ما أعلنت لجنة الانتخابات المركزية. وهذه النسبة هي الأعلى منذ عقود، بزيادة ست نقاط مئوية مقارنة بالوقت نفسه من انتخابات عام 2022.
وقال دين ليفنه، القائم بالأعمال العام للجنة الانتخابات المركزية، إنه بحلول الساعة الثانية ظهراً بالتوقيت المحلي (12:00 ت غ)، أدلى 3,29 ملايين إسرائيلي بأصواتهم، أي ما يعادل 44,9٪ من الناخبين المسجلين، وهي أعلى نسبة مشاركة منذ أن بدأت اللجنة تسجيل هذه الإحصاءات في عام 1973، مؤكداً أنّ كلّ من يكون في الطابور عند الساعة العاشرة مساءً، موعد إغلاق صناديق الاقتراع، سيُسمح له بالتصويت.
نتنياهو قلق
وبعد إدلائه بصوته في القدس، أعرب نتنياهو عن قلقه إزاء ارتفاع نسبة المشاركة في التصويت بين الأقلية العربية في إسرائيل، محذراً من “سرقة الانتخابات”.
وبلغت نسبة المشاركة على مستوى البلاد خلال الساعات الخمس الأولى من التصويت 31,5٪، وهي أعلى نسبة تُسجَّل في هذه المرحلة منذ نحو 50 عاماً، وفقاً للجنة الانتخابات المركزية.
وتجري الانتخابات على وقع ثلاث سنوات من الحروب الإقليمية على جبهات متعدّدة أشعلها الهجوم، فيما لا تزال الصدمة حاضرة بقوة وتتصدّر قضايا المحاسبة والأمن الحملة الانتخابية.
وتأتي الانتخابات التي تشهد منافسة محتدمة، فيما تبدو إسرائيل أكثر عزلةً على الساحة الدولية، بفعل حملتها العسكرية المدمّرة في غزة وتسارع البناء الاستيطاني وتصاعد العنف في الضفة الغربية، وتنامي النزعة القومية الدينية اليمينية المتشدّدة.
وأظهرت آخر استطلاعات الرأي الذي نشرته وكالة الصحافة الفرنسية تعادلاً بين نتنياهو، صاحب أطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل، ومنافسه الرئيسي الوسطي غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق والوافد حديثاً إلى السياسة، الذي يُنظر إلى طباعه الهادئة باعتبارها نقيض أسلوب رئيس الوزراء الحالي.
وحثّ آيزنكوت، زعيم حزب “يشار” أو “مستقيم”، الناخبين على العمل على إسقاط ما اعتبره “أسوأ حكومة” في تاريخ إسرائيل.
ويحق لحوالى 7,3 ملايين شخص التصويت، بينهم أكثر من نصف مليون شاب وشابة سيقترعون للمرة الأولى. وتظهر الاستطلاعات أن غالبيتهم الساحقة تصنّف نفسها ضمن يمين الوسط أو اليمين.
ويُقدّر أن عشرات الآلاف من الإسرائيليين عادوا جوّاً من الخارج للمشاركة في انتخابات يُنظر إليها باعتبارها حاسمة في تحديد هويّة بلادهم مستقبلاً.
وتولّى نتنياهو البالغ 77 عاماً، رئاسة الوزراء على فترات متقطّعة لأكثر من 19 عاماً.
وركّز رئيس الوزراء الإسرائيلي بكثافة خلال حملته على خبرته الأمنية، مستثمراً علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب ومؤكّداً أنه الوحيد القادر على ضمان أمن الإسرائيليين.
وقد يستغرق صدور النتائج النهائية أياماً، فيما يُستبعد بشدّة أن يقترب أيّ حزب بمفرده من حصد المقاعد الـ61 اللازمة لضمان الغالبية في البرلمان المؤلّف من 120 مقعداً.
وقد يستغرق تشكيل أيّ ائتلاف أسابيع أو أشهراً، مع احتمال إجراء انتخابات جديدة إذا فشلت المفاوضات.
ما دلالات نسبة التصويت العالية؟
يقول الخبير في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع لـ”النهار” إن “نسبة التصويت المرتفعة في الانتخابات الإسرائيلية تعكس حالة استقطاب سياسي حاد وتعبئة انتخابية واسعة”.
وتكمن دلالة ذلك، بحسب مناع، في أن “قطاعات واسعة من الناخبين تتعامل مع هذه الانتخابات باعتبارها محطة لتحديد مستقبل الحكم بعد ثلاث سنوات من الحرب والتطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها إسرائيل”.
ويرى أنه يمكن قراءة الإقبال المرتفع “في اتجاهين متوازيين، أولهما رغبة أنصار المعارضة في إنهاء حكم نتنياهو ومحاسبته على إخفاقات السنوات الماضية، وثانيهما سعي أنصار نتنياهو إلى الحفاظ على حكم اليمين ومنع انتقال السلطة إلى خصومه”.
يضيف: “لذلك، فإن المشاركة المرتفعة تعكس قوة التعبئة لدى المعسكرين، لكنها لا تحدد بمفردها اتجاه النتائج”.
أما الدلالة الأهم، فتتعلق وفق مناع بـ”توزيع المشاركة بين المعسكرات السياسية والمناطق الجغرافية، لأن ارتفاعها في معاقل الليكود والأحزاب الدينية يختلف في تأثيره عن ارتفاعها في معاقل المعارضة أو البلدات العربية”.
ويشير الى أن الزيادة في التصويت “قد تؤدي إلى تغيير توزيع المقاعد، خصوصاً بالنسبة إلى الأحزاب التي تقترب من نسبة الحسم البالغة 3.25%، إذ إن ارتفاع عدد الأصوات الصحيحة يزيد عدد الأصوات اللازمة لاجتيازها. ومن هنا، فإن المسألة لا تتعلق بحجم المشاركة وحده، بل أيضاً بهوية الناخبين الذين يشاركون وبقدرة الأحزاب على تحويل التعبئة إلى مقاعد.
وقد تحدد هذه الفوارق قدرة أي من المعسكرين على الوصول إلى أغلبية 61 مقعداً وتشكيل الحكومة المقبلة”.
المصدر: النهار




