النصف الأوّل من 2026: مزيد من الإيرادات العامّة والفوائض

نشرت وزارة الماليّة مؤخراً تقريرها المتضمّن مراجعة شاملة لأرقام الماليّة العامّة، للنصف الأوّل من عام 2026، وهو ما يتضمّن ملخصاً للحركة النقديّة الفعليّة حتّى أواخر شهر حزيران من العام الحالي. مع الإشارة إلى أنّ هذه الأرقام تعكس حركة السيولة الفعليّة، وليس النفقات المترتبة على أساس الاستحقاق، ما يعني أنّها ستبقى خاضعة للمطابقة والتعديل عند استكمال الحسابات لاحقاً. ومن الضروري كذلك التمييز بين أرقام قانون الموازنة للعام الحالي، الذي أُعدّ مسبقاً لتوقّع الإيرادات وإجازة الإنفاق، وأرقام الإنفاق والجباية الفعليّة، التي يتم الإفصاح عنها الآن.
في جميع الحالات، يبقى من المهم الاطلاع على الأداء المالي للدولة اللبنانيّة، كما يبيّنه التقرير، لمعرفة تأثير الحرب على إيرادات وفوائض الدولة، كما ولتقدير حجم الإيرادات التي يمكن التعويل عليها خلال العام المقبل. ومن البديهي أن يتم أخذ هذه الأرقام بعين الاعتبار، عند التخطيط للإطار المالي المتوسّط الأجل، الي سيتضمّن خطّة الدولة الماليّة للأعوام الخمسة المقبلة.
بنية الإيرادات
تشير أرقام وزارة الماليّة إلى أنّ إجمالي الإيرادات العامّة ارتفع خلال النصف الأوّل من 2026 إلى 3.4 مليار دولار أميركي، مقارنة بنحو 2.72 مليار دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي؛ أي بزيادة نسبتها 24.83 بالمئة بين الفترتين. وبذلك، تكون الخزينة العامّة قد سجّلت هذا العام إيرادات بمتوسّط سنوي يقارب 6.8 مليار دولار؛ أي ما يزيد بنحو 800 مليون دولار أميركي مقارنة بقانون موازنة العام الحالي، الذي توقّع إيردات إجماليّة قيمتها 6 مليار دولار أميركي خلال العام 2026.
الزيادة الأكبر في الإيرادات جاءت من بند الرسوم على التجارة الدوليّة؛ أي الرسوم الجمركيّة، التي ارتفعت قيمتها إلى 583.26 مليون دولار أميركي خلال النصف الأوّل من 2026، مقارنة بـِ 442.26 مليون دولار أميركي خلال نفس الفترة من العام الماضي، أي بزيادة نسبتها 32 بالمئة بين الفترتين. مع العلم أن هذا البند بات يمثّل وحده 17 بالمئة من إجمالي الإيرادات العامّة التي تحصّلها الدولة اللبنانيّة.
كما جاء في المرتبة الثانية، من حيث الزيادة في حجم الإيرادات، بند الإيرادات غير الضريبيّة، حيث ارتفعت قيمة هذا البند إلى 540.51 مليون دولار أميركي خلال النصف الأوّل من 2026، مقارنة بـ415.64 مليون دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30 بالمئة. ويشمل هذا البند التحويلات من إيرادات الريجي، التي بلغت قيمتها خلال النصف الأوّل من 2026 نحو 254.34 مليون دولار أميركي، والتحويلات من أرباح الاتصالات، التي بلغت قيمتها خلال الفترة نفسها نحو 136.23 مليون دولار أميركي. وفي النتيجة، مثّل هذا البند وحده 16 بالمئة من إجمالي الإيرادات العامّة التي تم تحصيلها خلال 2026، لغاية أواخر شهر حزيران.
أمّا الإيرادات الضريبيّة، التي تشمل ضرائب الأرباح والدخل والقيمة المضافة والأملاك وغيره، فسجّل النمو الأبطأ، بنسبة قدرها 8.13 بالمئة لغاية شهر حزيران من هذا العام. إذ ارتفعت قيمة هذا البند إلى 1.65 مليار دولار أميركي في النصف الأوّل من 2026، مقارنة بنحو 1.52 مليار دولار أميركي خلال نفس الفترة من العام الماضي. ومع ذلك، ظل هذا البند يمثّل وحده 48 بالمئة من إجمالي الإيرادات الضريبيّة هذه السنة.
بنية النفقات
من جهة أخرى، أظهرت الأرقام أن إجمالي النفقات العامّة ارتفع خلال النصف الأوّل من 2026 إلى نحو 2.19 مليار دولار أميركي، مقارنة بنحو 1.71 مليار دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي؛ أي بزيادة نسبتها 27.71 بالمئة بين الفترتين. وبذلك، فاقت نسبة نمو النفقات نسبة النمو في الإيرادات، ما يعني أن الإنفاق تقدّم بوتيرة أسرع من نسبة زيادة الجباية. ومع ذلك، ظلّت الزيادة في الإيرادات، من حيث الحجم الكلّي، أعلى من حجم الزيادة في النفقات.
الجزء الأكبر من هذا الإنفاق ذهب إلى النفقات الجارية، والتي تمثّل أكثر من 77 بالمئة من إجمالي النفقات العامّة. وسجّل هذا البند من النفقات زيادة معتبرة، من 1.43 مليار دولار أميركي خلال النصف الأوّل من 2025، إلى 1.69 مليار دولار أميركي خلال النصف الأول من العام الحالي، أي بزيادة نسبتها 17.84 بالمئة. من جهة أخرى، ظلّت النفقات الرأسماليّة تمثّل نسبة ضئيلة من حجم الإنفاق العام، وبمستوى لا يتجاوز 8 بالمئة، رغم ارتفاع حجم هذه النفقات إلى قرابة 173.18 مليون دولار أميركي خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـِ 66.93 مليون دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي؛ أي بنسبة زيادة تقارب 158.76 بالمئة.
بنتيجة حركة الإيرادات والنفقات، سجّلت الماليّة العامّة فائضاً إجماليّاً بنحو 1.21 مليار دولار أميركي خلال النصف الأوّل من 2026، مقارنة بنحو 1.01 مليار دولار أميركي في الفترة المماثلة من العام الماضي؛ أي بارتفاع نسبته 19.96 بالمئة. أمّا الفائض الأولي (أي الفرق بين الإيرادات والنفقات قبل احتساب مدفوعات الفوائد)، فبلغ نحو 1.29 مليار دولار أميركي، مقارنة بنحو 1.11 مليار دولار أميركي خلال نفس الفترة من العام الماضي؛ أي بزيادة نسبتها 16.06 بالمئة.
في الخلاصة، عكست الأرقام أداءً مالياً قوياً من حيث الشكل، إذ تقدمت الإيرادات بحجم أعلى من زيادة الإنفاق، وتوسّع الفائض بنسبة معتبرة رغم الحرب. غير أنّ هذا الفائض ظلّ مرتبطاً بعاملين: استمرار الزيادة في حجم الرسوم الجمركيّة، المرتبطة بالرسوم المستجدة هذا العام على المحروقات، وبقاء الإنفاق الرأسمالي عند مستويات متدنية، وهو ما يحد من دور الدولة في تأهيل البنية التحتيّة الأساسيّة.
المصدر: علي نور الدين – المدن



