نفوس النبطية خارج الخدمة:مدينة معطلة ومواطن يدفع كلفة مضاعفة

وسط تنامي حركة عودة المؤسسات الحكومية إلى النبطية، عادت قضية دائرة النفوس إلى الواجهة: لماذا لم تُفتح بعد؟ فغياب هذه الدائرة يشكّل معضلة أساسية عند المخاتير والمواطنين معاً، فهي الأكثر تماسّاً مع الناس، وكل معاملة رسمية تقريباً تحتاج إلى إخراج قيد.
نفوس بلا مكننة
لا تتوقف المسألة عند هشاشة الوضع الأمني، الذي يُحسب له ألف حساب اليوم، بل تتصل أيضاً بسجلات الدائرة غير المُمكننة. على مدى عقود، بقيت سجلات القيد ورقية، وبات قسم كبير منها مهترئاً، ما يجعل عملية نقلها محفوفة بخطر التلف.
معظم دوائر النفوس في لبنان أُدخلت إليها المكننة، باستثناء دائرة النبطية التي ما زالت تعمل ورقياً. وقبل الحرب، جرت مكننة اخراجات القيد، لكن باقي القيود لم تطاولها هذه الآلية، ما يشكّل اليوم معضلة حقيقية. فخسارة أي ورقة قد تجعل المواطن خارج القيد، وربما لهذا السبب يتريث مأمور النفوس في النبطية في العودة. وهذا ما لا يخفيه المخاتير الذين يريدون عودة الدائرة لأهميتها الحيوية، وفي الوقت عينه يخشون خسارة أي ورقة. «كلاهما مرّ»، يقول مختار النبطية حسن نزار جابر.
خلال الحرب، نُقلت سجلات النفوس إلى مديرية الأحوال الشخصية في بيروت، ومنذ ذلك الوقت بقيت الدائرة هناك، ومعها بقيت روح النبطية خارجها. وبحسب أوساط متابعة، فإن بعض مأموري النفوس في جويا وبنت جبيل رفضوا البقاء في بيروت وعادوا إلى بلداتهم، فيما تطرح هذه الأوساط تساؤلاً: لماذا لا يفعل مأمور نفوس النبطية الأمر نفسه، ويعود إلى صيدا على الأقل، باعتبارها أقرب مسافة وأقل مشقة، بما يخفف الأعباء عن المواطنين؟
في السراي الحكومي في النبطية، مكاتب النفوس مشرّعة على فراغ قد يطول، موظفون غائبون، رفوف فارغة، ومخاتير اشتاقوا إلى حياة الدائرة، حيث الزحمة واللقاءات التي لا تهدأ.
قبل شهر، افتتح رئيس الحكومة نواف سلام دائرتَي النفوس وأمن الدولة. وقتها، ظنّ الجميع أن الدائرة عادت إلى الحياة، لكن عملياً لم تُفتح بعد. ويربط الجميع الأمر بشقّين: أمني، يتمثل في التخوّف من تجدد الحرب في أي لحظة، وتقني، يرتبط بالسجلات الورقية.
غلاء المحروقات ومشقة الانتقال
يصف مختار النبطية حسن نزار جابر الأمر بـِ “المشقة اليومية”. ووفق جابر، “النفوس في النبطية ليس مجرد مكتب لإنجاز إخراج قيد ووثائق رسمية للمواطن، بل هو حياة النبطية ونبضها”.
ويبقى السؤال مفتوحاً: متى تعود هذه الدائرة الحيوية؟ وفق جابر، “لا يوجد توقيت. سعينا لعودتها لأهميتها، فهي على تماس مباشر مع المواطن. المواطن نفسه يدفع الثمن، نضطر يومياً إلى حمل معاملات إخراج القيد والذهاب بها إلى بيروت، ونتكبّد وقتاً وجهداً ومشقة وتكلفة مالية إضافية ثمن المواصلات. فثمن صفيحة البنزين مرتفع وتدفعنا لفرع سعر إنجاز إخراج القيد، والمواطن يدفع الكلفة. ولو كانت النفوس في النبطية، ننجز المعاملة خلال نصف ساعة ومن دون مشقة وكلفة إضافية”.
لم يعد إخراج القيد معاملة روتينية تُنجز خلال نصف ساعة، بل تحوّل إلى رحلة مكلفة، وتتراوح كلفة إنجازه بين 15 و25 دولاراً بحسب المختار، وقد تصل إلى نحو 40 دولاراً إذا أنجز المواطن معاملته بنفسه.
وهنا يعلّق مختار حي البياض محمد بيطار قائلاً: «ارتفعت كلفة إنجاز إخراج القيد لدرجة خنقت المواطن. إذا حمل المواطن معاملته نحو بيروت، يدفع 32 دولاراً ثمن صفيحة بنزين، و6 دولارات ثمن طوابع، وغيرها، عدا أن المعاملة لا تُنجز في اليوم نفسه، بل تحتاج من ثلاثة إلى أربعة أيام، ما يعني تكلفة مضاعفة. هذه المعاناة التي نعيشها يومياً بسبب غياب نفوس النبطية”.
في العادة، كان بيطار يمضي وقته داخل تلك الدائرة، يحمل الطلبات وينقل اخراجات القيد، ويساعد المواطنين ويلتقي المخاتير. ويقول: “إخراج القيد أساسي في إنجاز أي معاملة. ودائرة النفوس أساسية لإنجاز إخراج قيد، وثيقة ولادة، وثيقة وفاة وطلاق وغيرها. اليوم هذه الدائرة ميتة رغم إعادة تأهيلها. وبلا دائرة النفوس لا عمل لأي دائرة، لأن المعاملات مرتبطة بها”.
المخاتير بين النبطية وبيروت
عند الخامسة فجراً، يتجه مختار عربصاليم نحو بيروت، حاملاً معاملاته إلى نفوس النبطية المؤقت. ويشكو مثل باقي المختارين من المشقة والكلفة مطالباً بإعادة العمل في دائرة النبطية. ويقول: “النفوس هي روح النبطية، واليوم ضاعت، ولكن هناك مساعي حثيثة لعودتها، ونأمل أن تكون قريبة لكي نرتاح من المشقة اليومية، ناهيك عن أنها تخفف من الأعباء، وهذا الأهم”.
ويرى أنه «حين تعود دائرة النفوس تعود حركة النبطية، كل القرى تصبّ فيها ومعها الوزارات كلها. نحن لا نتحدث عن مجرد دائرة تُنجز إخراج قيد، نتحدث عن العمود الحياتي للنبطية التي نريد أن تستعيد حيويتها الإدارية والمؤسساتية والاجتماعية”.
وعود بإعادة افتتاحها قريباً
مع كل زيارة وزير أو مسؤول، يُطرح سؤال: هل يحمل في جعبته فرجاً للنبطية والمنطقة، أم أنها زيارة رمزية للنبطية؟ ويعلّق رئيس اتحاد بلديات الشقيف خالد بدر الدين: “يتابع الرئيس نبيه بري مع الرؤساء ومع وزير الداخلية الموضوع. هذه الدائرة الأكثر حيوية وارتباطاً بالناس بشكل يومي. لذا تُبذل مساعٍ حثيثة لعودتها حين جلاء المشهد الأمني”.
وأضاف أن “الاتحاد” ساهم في تأمين عدد من المتطلبات اللوجستية، من مكاتب وقرطاسية وخدمة إنترنت وكهرباء، إضافة إلى تجهيزات أخرى. ويقول إن وزير الداخلية يتابع الملف، وإن عودة الدائرة قد تبدأ خلال الأسبوع المقبل، إذا سارت الأمور وفق التوقعات.
لكن عودة دائرة النفوس لا تختصر مطالب النبطية بإعادة المؤسسات الرسمية إلى المدينة. فالنبطية تشكّل عصب المحافظة ومركزاً إدارياً وتجارياً وخدماتياً لقرى المنطقة، وصولاً إلى أقضية مرجعيون وحاصبيا. ومن هنا، يطالب بدر الدين بإعادة فتح الدوائر العقارية وقصر العدل والمحاكم، بعدما استعادت مؤسسات أخرى نشاطها، بينها دوائر الاقتصاد والعمل والزراعة وأوجيرو وليبان بوست.
النبطية على حبال الوعود
من ناحيته، يقول رئيس الجمعية التعاونية لتجار النبطية محمد جابر إن المدينة استعادت نحو 75 في المئة من حياتها ونشاطها التجاري، مع عودة ما بين 50 و60 في المئة من سكانها، فيما تجاوزت نسبة عودة الأهالي إلى القرى المجاورة 85 في المئة. لكن استعادة النشاط لا تعني اكتمال التعافي، ما دامت الخدمات والمؤسسات الرسمية الأساسية غائبة أو تعمل من خارج المدينة.
وكان افتتاح مبنى السرايا الحكومية بعد ترميمه قد رفع سقف التوقعات بإعادة تشغيل المؤسسات الرسمية، إلا أن الأهالي والمخاتير لا يزالون ينتظرون خطوات تنفيذية تعيد هذه المؤسسات إلى مواقعها، وفي مقدمتها دائرة النفوس وقصر العدل والدوائر العقارية.
منذ وضعت الحرب أوزارها، ترتفع الأصوات لعودة مؤسسات الدولة إلى النبطية، غير أن تلك الوعود لم تُترجم عملياً على الأرض، وبقيت النفوس، كما المحكمة الشرعية والدوائر العقارية وقصر العدل والمالية، خارج النبطية. وإن كانت دائرة النفوس الأكثر أهمية، فإن مشقة إنجاز إخراج القيد تخضع لاعتبارات الغلاء التصاعدي، ولا تخلو عملية إنجاز المعاملات من السمسرة لتسريعها، ما يرفع كلفتها على المواطنين.
غابت النفوس، ومعها غابت إحدى أهم حلقات الحياة الإدارية في النبطية. مكاتب فارغة، ورفوف فقدت أوراقها، وسجلات نُقلت إلى بيروت. وبينما تستعيد المدينة نشاطها التجاري والاجتماعي، تبقى مؤسساتها الرسمية عاجزة عن استكمال العودة. ومع كل زيارة وزير أو مسؤول، يتجدد السؤال: متى تعود دائرة النفوس؟ وما الذي يعيق عودتها؟ سؤال لا يزال بلا جواب، فيما يدفع المواطن ثمن المسافة، ويتحمّل المختار عناء التنقّل بين النبطية وبيروت، وتبقى معاملات الناس معلّقة على حبال الوعود.
رنا جوني – المدن




