أخبار محلية

لبنان مهّد التفجير الانتحاري الحديث…

لم يكن الإرهاب اختراعًا إيرانيًا، ولم تكن التضحية بالنفس في الحروب ظاهرة مجهولة قبل الثورة الإسلامية سنة 1979. لكن ما شهدته منطقة الشرق الأوسط مطلع الثمانينيات شكّل تحوّلا نوعياً في تاريخ العنف السياسي: ظهور التفجير الانتحاري الحديث بوصفه وسيلة عملياتية منظّمة، ثم تحوّله إلى عقيدة قتالية اعتمدتها تنظيمات مسلّحة، بعضها نشأ أو تطوّر برعاية الحرس الثوري الإيراني.

ومن الناحية التاريخية، يمكن اعتبار لبنان أحد أهم المختبرات التي شهدت ولادة هذا النمط من العمليات وانتشاره، بدءًا بتفجير السفارة العراقية في بيروت سنة 1981، وصولا إلى تفجيرات السفارة الأميركية ومقرّات القوات المتعددة الجنسيات سنة 1983.

وهنا تكمن المسألة الجوهرية: لم يقتصر الدور الإيراني على تقديم الدعم لتنظيمات مسلّحة، بل شمل المساهمة في تكوين بيئة عقائدية وتنظيمية أتاحت تحويل الموت المتعمَّد للمنفّذ إلى أداة في العمل العسكري والسياسي.

أولا: 15 كانون الأول 1981 نقطة التحوّل

في 15 كانون الأول 1981، اقتحمت سيارة مفخّخة يقودها انتحاري مبنى السفارة العراقية في بيروت، فأدى الانفجار إلى انهياره وسقوط 61 قتيلا، بينهم السفير العراقي عبد الرزاق لفتة، وأكثر من مئة جريح، وكانت بين الضحايا بلقيس الراوي، زوجة الشاعر نزار قباني، التي كانت تعمل في القسم الثقافي في السفارة.

تُصنّف دراسات متخصصة في تاريخ الإرهاب هذا التفجير ضمن أولى العمليات الانتحارية الحديثة في الشرق الأوسط، وتُدرجه قاعدة بيانات الإرهاب العالمية (GTD) التابعة لاتحاد START في جامعة ميريلاند بوصفه أقدم هجوم انتحاري مسجّل فيها، وإن كان بعض الباحثين يقترحون محطات أسبق.

وقع الاعتداء بعد نحو خمسة عشر شهرًا من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وفي أجواء صراع استخباراتي وسياسي عنيف بين نظام صدام حسين والجمهورية الإسلامية الوليدة.

نُسبت العملية في عدد من الدراسات إلى عناصر مرتبطة بحزب الدعوة الإسلامية العراقي، الذي تلقّت أجزاء من حركته المعارضة دعمًا من إيران. إلا أن تحديد المسؤولية التاريخية يحتاج إلى تدقيق، نظرًا إلى تعدّد الجهات التي أعلنت مسؤوليتها آنذاك، ومنها تنظيمات غير معروفة حملت أسماء عراقية، مثل «جيش التحرير العراقي».

واللافت أن القضية لم تُقفل قضائيًا في لبنان إلا بعد أربعة عقود تقريبًا. ففي 19 آذار 2021، أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة حكمًا غيابيًا بالأشغال الشاقة المؤبدة بحق الفارَّين حسين صالح حرب وسامي محمود الحجي في قضية التفجير، بعدما كانا قد أوقفا في الثمانينيات ثم أُخلي سبيلهما، ونقضت محكمة التمييز لاحقًا قرار شمولهما بقانون العفو العام الصادر سنة 1991.

لكن من الضروري التمييز بين ثبوت مسؤولية أفراد بموجب حكم قضائي وبين إثبات وجود أمر مباشر صادر عن القيادة الإيرانية بتنفيذ العملية.

كذلك، فإن حزب الدعوة تأسّس في العراق في أواخر خمسينيات القرن العشرين، أي قبل الثورة الخمينية بعقدين، ولم يكن في جميع مراحله مجرد ذراع للسياسة الإيرانية.

ومع هذه التحفظات، تبقى سنة 1981 محطة تأسيسية في تاريخ التفجيرات الانتحارية التي ستشهد المنطقة توسّعها بعد ذلك.

ثانيًا: الثورة الخمينية وتحويل الموت إلى عقيدة قتالية

جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 بمفهوم يتجاوز الممارسة الدينية التقليدية للشهادة، إلى توظيفها ضمن مشروع سياسي وعسكري ثوري. وخلال الحرب العراقية الإيرانية، اكتسب خطاب التضحية والموت في سبيل المشروع الثوري حضورًا واسعًا في التعبئة الشعبية والعسكرية، خصوصًا ضمن قوات الباسيج والحرس الثوري.

ولم تلبث هذه التعبئة أن وجدت صداها في لبنان، إذ التقطت الحالة الدينية الناشئة فيه شعارات طهران ورموزها وخطابها عن الشهادة، فبدت التعبئة الدينية المحلية امتدادًا للتعبئة الإيرانية، وتحوّل جزء من الحماس الديني إلى رافد لمشروع ثوري عابر للحدود. غير أن هناك فارقًا تقنيًا وتاريخيًا بين مقاتل يشارك في هجوم شديد الخطورة مع احتمال مقتله، وبين عنصر يُرسَل لتنفيذ عملية يكون موته جزءاً مقصوداً ولازماً من آلية تنفيذها.

هذا الفارق هو الذي يحدّد مفهوم التفجير الانتحاري الحديث.

وقد أسهمت التنظيمات المرتبطة بالثورة الإيرانية في إضفاء مشروعية عقائدية على هذا الأسلوب، عبر تقديم المنفّذ بوصفه «استشهاديًا»، وتحويل موته إلى رمز ديني وسياسي ومادة دعائية قابلة للتكرار.

وهكذا نشأ تداخل بين ثلاثة عناصر: التأويل العقائدي للشهادة، والتنظيم العسكري السري، والحسابات السياسية للجهة الراعية.

لم تعد العملية مجرد هجوم مسلّح، بل أصبحت رسالة استراتيجية تسعى إلى إظهار استعداد التنظيم لتحمّل خسائر لا يتحمّلها خصمه، وإلى التأثير في قراراته السياسية من خلال الصدمة والخسائر البشرية.

ثالثًا: 1982 انتقال التجربة إلى لبنان

شكّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982 فرصة لإيران لتعزيز نفوذها العسكري والعقائدي داخل البلاد. وبموافقة سورية، دخل عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع صيف ذلك العام، وتُقدّر مصادر تاريخية عددهم بنحو 1,500 عنصر ومدرّب ومستشار.

ساهم هؤلاء في تدريب وتسليح وتنظيم مجموعات شيعية لبنانية ستتبلور تدريجيًا تحت اسم «حزب الله»، بالتوازي مع نشاط حركة أمل الإسلامية وتشكيلات أخرى.

وفي 11 تشرين الثاني 1982، وقع انفجار ضخم دمّر مقرّ الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور، وأدى إلى مقتل 76 عنصرًا من قوات الأمن الإسرائيلية ونحو خمسة عشر معتقلا لبنانيًا وفلسطينيًا كانوا محتجزين فيه.

اعتبرت لجنة التحقيق الإسرائيلية الأولى، أن الانفجار نتج عن تسرّب للغاز، لكن لجنة تحقيق إسرائيلية جديدة أعلنت نتائجها سنة 2024 خلصت، بعد مراجعة الأدلة الجنائية والاستخباراتية، إلى أنه ناجم «على الأرجح بدرجة عالية» عن سيارة مفخّخة يقودها انتحاري أرسله مشغّلون مرتبطون بإيران. وقد تبنّى «حزب الله» لاحقًا العملية ونسبها إلى أحمد قصير.

بهذا انتقل التفجير الانتحاري من عملية معزولة نسبيًا إلى أسلوب داخل بيئة تنظيمية آخذة في التوسّع، تحظى بالدعم العسكري والمالي والعقائدي من دولة إقليمية.

رابعًا: 1983 السنة التي غيّرت تاريخ الإرهاب الدولي

شهد عام 1983 انتقال التفجيرات الانتحارية إلى مستوى غير مسبوق من حيث حجم الخسائر والأثر السياسي.

18 نيسان 1983: تفجير السفارة الأميركية في بيروت

أدى الهجوم إلى مقتل 63 شخصًا، بينهم 17 أميركيًا. وأعلنت منظمة «الجهاد الإسلامي» مسؤوليتها عنه، وهي تسمية ارتبطت بخلايا وشبكات مرتبطة بالحرس الثوري أصبحت لاحقًا جزءًا من بنية التنظيم.

23 تشرين الأول 1983: تفجير مقرّ مشاة البحرية الأميركية والقوات الفرنسية

أسفر الهجوم على مقرّ القوات الأميركية قرب مطار بيروت عن مقتل 241 عسكريًا أميركيًا، فيما أدى الهجوم على مبنى «دراكار» الذي كان يضمّ المظليين الفرنسيين إلى مقتل 58 عسكريًا فرنسيًا.

لم أقرأ تلك السنوات في الكتب أولا. عشتها في بيروت، بين دويّ الانفجارات وانتظار الخبر التالي. كان منزل عائلتي على أقل من مئتي متر من مبنى «دراكار»، في خط النار تمامًا. في صباح 23 تشرين الأول 1983 اهتزّت الجدران، وسقط جيران لنا تحت الركام، وبقي ذلك الصباح في الذاكرة أثقل من أي أرقام. وبعد سنوات، حين صرتُ قاضيًا، وقع بين يديّ ملفّان عن سيارتين مفخختين زُرعتا في ضاحية بيروت الشرقية. هكذا عشت تلك السنوات مرتين: مرة في الواقع، ومرة بعد سنوات في الملفات.

كانت الخسائر ضخمة، لكن التداعيات السياسية كانت أبعد من عدد الضحايا.

ففي شباط 1984، انسحبت قوات مشاة البحرية الأميركية من لبنان في سياق تداخل فيه أثر التفجيرات مع تعثّر المهمة العسكرية والتطورات الميدانية والخلافات السياسية في واشنطن.

وقد استُخلصت من هذه الأحداث، داخل عدد من التنظيمات المسلحة، نتيجة استراتيجية خطيرة: أن عمليات انتحارية محدودة العدد قد تفرض على دولة كبرى إعادة النظر في وجودها العسكري وسياساتها.

وفي السنوات اللاحقة، حمّل القضاء الأميركي إيران مسؤولية مدنية عن تفجير مقرّ المارينز، ولا سيما في قضية «بيترسون ضد جمهورية إيران الإسلامية»، حيث قضت محكمة فدرالية في واشنطن سنة 2003 بمسؤولية إيران، ثم حكمت سنة 2007 بتعويضات تناهز 2.65 مليار دولار، استنادًا إلى أدلة وشهادات عن دعمها للجهة المنفّذة. ويجب التنبيه إلى أن هذه الأحكام صدرت في دعاوى مدنية غيابية لم تحضرها إيران، وهو أمر مهم عند تقييم قيمتها القضائية.

خامسًا: التحليل التقني لماذا غيّر التفجير الانتحاري قواعد الإرهاب؟

لفهم أهمية هذه الظاهرة، ينبغي دراستها من منظور التنظيمات والقدرات العملياتية، وليس من منظور الدوافع الدينية وحدها.

في دراسات مكافحة الإرهاب يُستخدم مصطلح «العبوة الناسفة المرتجلة المحمولة على مركبة انتحارية» (SVBIED) لوصف التفجير الانتحاري بواسطة مركبة.

أما التحوّل الأساسي فلم يكن في المادة المتفجرة نفسها، بل في إدخال العنصر البشري باعتباره جزءًا لا ينفصل عن وسيلة الهجوم.

ومن الناحية التحليلية، منح هذا الأسلوب التنظيمات المسلحة أربع خصائص مؤثرة:

1. عدم التماثل في القوة: قدرة تنظيم محدود الموارد على إحداث خسائر بشرية وسياسية كبيرة في مواجهة مؤسسات عسكرية أو دولية تفوقه قوة.

2. الأثر النفسي: بثّ الشعور بأن خصمًا مستعدًا للموت لا يمكن ردعه بالوسائل التقليدية نفسها المستخدمة ضد المهاجم الذي يسعى إلى النجاة.

3. التأثير الإعلامي: تحويل العملية إلى حدث ذي انتشار دولي، يضاعف أثرها السياسي من خلال التغطية والصور والخطاب التعبوي.

4. قابلية الانتشار التنظيمي: قدرة تنظيمات أخرى على تبنّي الفكرة العامة، حتى لو اختلفت عنها عقائديًا أو قوميًا.

وهناك عنصر خامس يرتبط بحروب الوكالة: إمكانية استخدام تنظيمات تعمل بأسماء مستقلة أو غامضة، بما يسمح للدولة الداعمة بالمحافظة على مسافة سياسية بينها وبين الاعتداء.

وهذا ما جعل تجربة الثمانينيات اللبنانية ذات أهمية خاصة في دراسة العلاقة بين الإرهاب العابر للحدود ورعاية الدول للتنظيمات المسلحة.

سادسًا: من لبنان إلى الكويت وفلسطين ثم الإرهاب العالمي

لم تبقَ هذه التجربة محصورة في لبنان. في 12 كانون الأول 1983، شهدت الكويت سلسلة تفجيرات استهدفت السفارتين الأميركية والفرنسية والمطار ومنشآت أخرى. وربطت التحقيقات والتقارير تلك الهجمات بعناصر من حزب الدعوة العراقي وشبكات موالية لإيران، وقد دانت المحاكم الكويتية سبعة عشر متهمًا عُرفوا لاحقًا بـ»سجناء الكويت السبعة عشر».

وفي 9 نيسان 1985، نفّذت سناء محيدلي، المنتمية إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، عملية انتحارية بسيارة مفخّخة ضد قافلة إسرائيلية في منطقة جزين في جنوب لبنان.

وهذه الواقعة مهمة لأنها تُظهر أن الأسلوب لم يبقَ حكرًا على التنظيمات الإسلامية، بل انتقل أيضًا إلى مجموعات ذات توجهات قومية وعلمانية.

أما التحوّل الأوسع فحدث خلال التسعينيات.

فبعد إبعاد إسرائيل نحو 415 ناشطًا من حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني إلى مرج الزهور في جنوب لبنان في كانون الأول 1992، نشأت اتصالات مباشرة بينهم وبين «حزب الله».

وتربط دراسات عديدة تلك المرحلة بانتقال الخبرات التنظيمية والعسكرية، بما فيها اعتماد التفجيرات الانتحارية التي بدأت حماس تنفيذها في نيسان 1993 عند مفترق ميحولا، ثم توسّعت بصورة أشد دموية خلال السنوات اللاحقة.

وفي مرحلة أخرى، تبنّت القاعدة والتنظيمات الجهادية السنية أسلوب التفجير الانتحاري، رغم اختلافها العقائدي العميق مع الخمينية والتنظيمات الدائرة في فلكها.

وهذا يؤكد أن الابتكار التكتيكي قد يعبر الحدود المذهبية والفكرية، وأن التنظيمات المتصارعة عقائدياً قد تتبادل الأساليب التي ترى أنها تحقق أهدافها.

ولا تنتمي هذه الظاهرة إلى الماضي وحده. ففي 5 تشرين الأول 2026، اشتبه عناصر حاجز قوى الأمن الداخلي في ضهر البيدر، على الطريق الدولية بين البقاع وبيروت، بسيارة من نوع «دودج كارافان» بسبب حمولتها الزائدة، فعثروا في داخلها على كمية كبيرة من المواد المتفجرة وأوقفوا شخصين كانا على متنها، بحسب ما أعلن وزير الداخلية أحمد الحجار. وتفاوتت التقديرات المنشورة لحجم الشحنة بين نحو 500 كيلوغرام من مادتي TNT وC4 وما يقارب 780 كيلوغرامًا من المتفجرات والمواد المرافقة، ولم يُنشر جرد رسمي نهائي لها.

وتولّت مديرية المخابرات في الجيش وشعبة المعلومات التوسّع في التحقيق، وأفادت المعطيات الأولية بأن الشحنة نُقلت من بعلبك وكانت متجهة إلى ضاحية بيروت الجنوبية، من دون أن تُحسم وجهتها النهائية أو الغاية منها. وقد أعلن «حزب الله» أن السيارة وحمولتها تعود إليه وأنها معدّة لمواجهة إسرائيل، فيما ادّعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على ثلاثة عشر شخصًا في القضية. وأيًّا تكن نتيجة المحاكمة، فإن عبور نصف طن من المتفجرات طريقًا رئيسية نحو العاصمة يذكّر بأن السيارة المفخخة، أداة الثمانينيات، لم تغادر المشهد اللبناني بعد.

سابعًا: هل يصحّ وصف كل عملية انتحارية بالإرهاب؟

من الوجهة القانونية، يجب التمييز بين وسيلة الهجوم وطبيعة الهدف. فالتفجير الانتحاري وصف لطريقة التنفيذ، وليس وحده تعريفاً قانونياً كافياً للجريمة الإرهابية.

استهداف السفارات والدبلوماسيين والمدنيين يدخل ضمن نطاق اعتداءات تحظرها قواعد القانون الدولي ذات الصلة، بينما تخضع الهجمات على أهداف عسكرية، أثناء النزاعات المسلحة، لقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات وغيرها من أحكام القانون الدولي الإنساني.

ولا تجعل تسمية العملية «استشهادية» منها عملا مشروعًا، كما أن انتحار المنفّذ لا يكفي وحده لإثبات أن الهدف كان غير مشروع. والمعيار الأساسي هو طبيعة الاعتداء، وصفة الأشخاص المستهدفين، والسياق القانوني الذي وقع فيه.

هذا التمييز ضروري للحفاظ على الدقة التاريخية والقانونية، خصوصًا عند دراسة أحداث الحرب اللبنانية التي تداخلت فيها العمليات ضد أهداف عسكرية مع الاعتداءات على المدنيين والبعثات الدبلوماسية.

خاتمة: كيف تحوّل لبنان إلى نقطة انطلاق لظاهرة عالمية؟

القول إن الخمينية اخترعت فكرة التضحية بالنفس ليس دقيقًا تاريخيًا. فقد عرف العالم قبلها أشكالا متعددة من الهجمات التي يُرجَّح أو يُقصد فيها موت المنفّذ، ومن أشهرها هجمات الكاميكازي اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن الدراسات المتخصصة تُسند إلى التنظيمات المسلحة المرتبطة بإيران، ولا سيما تلك التي نشطت في لبنان مطلع الثمانينيات، دوراً تأسيسياً في تطوير التفجير الانتحاري الحديث وتحويله إلى ممارسة تنظيمية متكررة.

والتاريخ هنا واضح في تسلسله: تفجير السفارة العراقية سنة 1981، ثم التحولات العسكرية والتنظيمية سنة 1982، فالتفجيرات الكبرى سنة 1983، وصولا إلى انتقال الأسلوب خارج لبنان في العقود التالية.

وهكذا لم يكن لبنان مجرد ساحة استقبلت صراعات الآخرين، بل أصبح أيضًا إحدى البيئات التي تطوّرت فيها وسائل عنف عابرة للحدود، وانتقلت تجربتها إلى تنظيمات لا تتشارك بالضرورة العقيدة نفسها.

النتيجة التاريخية الأهم أن التنظيمات المرتبطة بالمشروع الثوري الإيراني لم تحتكر التفجير الانتحاري، لكنها أدّت دورًا محوريًا في إدخاله إلى الحروب غير النظامية الحديثة، وفي ترسيخه بوصفه أداة ضغط عسكري وسياسي.

ومن هنا فإن دراسة هذه الحقبة ليست مجرد عودة إلى تاريخ لبنان المأسوي، بل مدخل أساسي لفهم نشأة أحد أكثر أساليب العنف السياسي تأثيرًا خلال العقود الأربعة الماضية.

نداء الوطن – د. بيتر جرمانوس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |