أخبار محلية

الذكاء الاصطناعي يسرق بصوت المدير.. من يحمي الشركات اللبنانية؟

لم يعد اختراق الأنظمة المصرفية شرطاً لسرقة أموال الشركات، فقد بات في إمكان المحتال الوصول إلى ملايين الدولارات عبر مكالمة هاتفية واحدة، مستخدماً صوت المدير التنفيذي وصورته، من دون أن يدرك الموظف أنه يتحدث إلى شخصية مصطنعة بالذكاء الاصطناعي. وبينما كشفت السلطات الأميركية عن شبكة متهمة بالاستيلاء على 129 مليون دولار بهذه الطريقة، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: هل تمتلك الشركات اللبنانية إجراءات الحماية الكافية لمواجهة هذا النوع من الاحتيال؟

ففي الخامس من تشرين الثاني 2026، أعلنت وزارة العدل الأميركية توجيه اتهامات إلى ثلاثة أشخاص بتنفيذ عمليات احتيال استهدفت شركات حول العالم بين عامي 2024 و2026. وبحسب الادعاء، اعتمد المتهمون على تقنيات الذكاء الاصطناعي لاستنساخ أصوات وصور رؤساء تنفيذيين ومحامين، وإقناع موظفي المحاسبة بتحويل مبالغ مالية ضمن صفقات وهمية يُطلب إبقاؤها سرية.

وشملت قائمة الضحايا مؤسسات استشفائية ومصرفاً وشركة تكنولوجيا مالية، قبل تحويل الأموال المسروقة إلى عملات مشفرة لإخفاء مسارها، وفق الاتهامات التي لم تُحسم قضائياً بعد.

الخطر يصل إلى مكاتب المحاسبة

بالنسبة إلى الشركات اللبنانية، لا تكمن خطورة هذه القضية في حجم الأموال وحده، بل في بساطة الأسلوب الذي يمكن تكراره داخل أي مؤسسة تعتمد على التعليمات الهاتفية أو المراسلات الإلكترونية لتنفيذ تحويلاتها المالية.

لنتخيّل موظف محاسبة في شركة لبنانية يتلقى اتصالاً من مديره الموجود خارج البلاد، يطلب منه تحويل مبلغ عاجل إلى حساب مصرفي جديد لإنجاز صفقة تجارية. الصوت مطابق، والصورة تظهر المدير نفسه خلال مكالمة فيديو، والتعليمات تبدو واضحة. لكن المتصل قد يكون محتالاً يستخدم تقنيات التزييف العميق.

والأخطر أن المحتال قد ينتحل أيضاً شخصية محامٍ أو مسؤول مالي لتأكيد الرواية، ما يجعل الموظف أمام عدة مصادر مزيفة تبدو متطابقة.

وهنا تبرز نقطة الضعف الأساسية: الاعتماد على معرفة الصوت أو الوجه باعتبارهما إثباتاً للهوية.

كيف يمكن للشركات اللبنانية حماية نفسها؟

أمام هذه المخاطر، لا تحتاج المؤسسات بالضرورة إلى أنظمة تقنية باهظة الثمن بقدر حاجتها إلى إجراءات مالية صارمة تمنع تنفيذ التحويلات بناءً على تعليمات غير موثقة.

وأولى هذه الإجراءات اعتماد كلمة تحقق سرية متفق عليها مسبقاً بين الإدارة والموظفين المخوّلين بالتحويل، تُستخدم عند الطلبات الاستثنائية، من دون اعتبارها ضمانة منفردة.

كذلك، ينبغي منع تحويل الأموال استناداً إلى مكالمة واحدة، مهما بدا المتصل موثوقاً، وإلزام الموظف بالتأكد من الطلب عبر قناة اتصال ثانية، باستخدام رقم معروف ومثبت مسبقاً، لا الرقم الذي يقدمه المتصل.

ومن الإجراءات الضرورية أيضاً اعتماد موافقة مزدوجة على التحويلات الكبيرة، ووضع سقوف مالية واضحة، والتحقق المستقل من أي تغيير يطرأ على الحسابات المصرفية للموردين أو المتعاملين.

أما طلب السرية المطلقة أو الضغط لتنفيذ التحويل فوراً، فيجب التعامل معهما باعتبارهما إشارتين تستدعيان تدقيقاً إضافياً، لا سببين لتجاوز الإجراءات.

وفي حال اكتشاف تحويل احتيالي، تصبح السرعة عاملاً حاسماً، عبر التواصل فوراً مع المصرف لمحاولة إيقاف الأموال أو استردادها، وإبلاغ الجهات المختصة.

الثقة لم تعد كافية

لا توجد معطيات في القضية الأميركية تثبت تورط شركات لبنانية أو تعرضها لهذه الشبكة تحديداً، لكن أسلوب الاحتيال يكشف تحدياً لا يمكن تجاهله.

فالخطر لم يعد مقتصراً على سرقة كلمات المرور أو اختراق الحسابات، بل انتقل إلى استغلال الثقة البشرية نفسها.

والرسالة للشركات اللبنانية واضحة: في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي تقليد المدير صوتاً وصورة، يجب ألا يكون أي اتصال، مهما بدا حقيقياً، كافياً لتحريك الأموال من دون تحقق مستقل.

المصدر: لبنان ٢٤

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |