
تتغير المعطيات والأرقام مع اشتداد القصف الإسرائيلي المتواصل من جنوب لبنان إلى ضاحيته وبقاعه، نزوح العائلات بآلاف حيث يُشير المراقبون إلى أن هذا النزوح يعدّ الأكبر في تاريخ لبنان، فيما يُشير تحليل لصحيفة “واشنطن بوست” إلى أن القصف الإسرائيلي أسفر عن تدمير ربع المباني في 25 بلدية لبنانية في القرى الحدودية الجنوبية في لبنان.
وفق أرقام الدولة اللبنانية، بلغ عدد النازحين أكثر من مليون وخمسمائة ألف نازح. هكذا، بدأت ظاهرة النزوح تكبر ككرة ثلج يوماً بعد يوم. هذا الواقع المقلق، دفع بالأمم المتحدة إلى التحذير من أن لبنان يواجه “أزمة إنسانية كارثية” بعد وصول عدد النازحين داخلياً إلى رقم غير مسبوق، في حين قال وزير الخارجية اللبناني عبدالله بوحبيب، بصراحة، إن أكثر ما يقلق اليوم في لبنان هو الفتنة الداخلية نتيجة توسع الاحتكاكات بين النازحين اللبنانيين وسكان المناطق التي نزحوا إليها.
ولكن ما الذي تغيّر منذ العام 2006 حتى اليوم؟
يُجيب “ببساطة ضعفت التكوينات المجتمعية كثيراً، وعندما سعينا إلى العمل على الزواج المدني واجهنا رد فعل توحشي من الطوائف تحت مسمى الأديان، في حين أنها زعامات طائفية”.
الرؤية واضحة بالنسبة إلى الأستاذ في علم الإجتماع، بالنسبة له “بما أننا لم نجرِ قراءات للأديان ونفصل الإيمان عن التقليد، لن نصل إلى أي نتيجة في لبنان”.
هو الذي آمن وكتب عن الجوهر من وراء الأديان، يأمل أن يرى التغيير ويلمسه عن كثب في مجتمع يتخبط بازماته الوجودية. يؤمن قاعي أن “التضامن الإنساني قادر أن يعوّض نوعاً ما ولفترة معينة، ولكنه عاجز عن بناء الإتحاد والوحدة، وهذه الأخيرة تحتاج إلى بنية مجتمعية مختلفة، بعيداً عن زعماء الطوائف”.
الموضوع “فالت ع الآخر”
أما بالنسبة إلى ربيع الهبر ، فهو يرى أن “النزوح هائل ولا يمكن الحدّ منه خصوصاً بعد النزوح الذي نشاهده في البقاع وبعلبك، بعد النزوح الكبير من القرى الجنوبية. ولكن المخيف في الموضوع أنه لا يوجد أي مراعاة لأي عوائق انسانية، “الموضوع فالت ع الآخر”. وما يجري أن إسرائيل تستغل هذا الوضع، لأنه ببساطة لماذا عليها أن تُحارب بنفسها طالما أن لديها من يُحارب عنها”.
في قراءة إلى واقع اليوم، يصفه الهبر “بالخطير، ولكن الواقع غداً سيكون أخطر” وفق قوله. ويتخوف أن نشهد على محاولة دمج مهني – اجتماعي، على سبيل المثال في منطقة الشوف وعاليه، هناك منع لأي دمج مهني بحيث لا يُعطى للنازحين الحق في استملاك المؤسسات وفتح اماكن للعمل… وعليه، عندما سنشهد على عملية دمج فإن ذلك سيؤدي بطبيعية الحال إلى تشابك.
في مقلب آخر، تعرف كيوان أهداف اسرائيل ومشروعها التوسعي منذ ستينات القرن الماضي والذي تحدث عنه الرئيس ريمون إده مظهراً الخرائط والمطامع الصهيونية التي تعمل عليه منذ أكثر من 100 عام. ومع ذلك، لا تجد كيوان أن مكوث النازحين سيطول خارج قراهم وهو سيكون بمثابة ورقة تفاوض وضغط لتحييد شمال إسرائيل، إذا أردتم عودة أهل الجنوب نريد أن نعيد أهل شمال إسرائيل. وكل ما يُحكى غير ذلك هو من باب التهويل والضغط النفسي.
ما يجري اليوم يجب النظر إليه عن بٌعد وبموضوعية، برأي كيوان أنه يجب أن ننظر بعين إلى وضع النازحين ونساعدهم ونقلق عليهم، في حين تسهر العين الأخرى على المبادرات السياسية وإرادة لبنانية وطنية للتفاوض على وقف إطلاق النار. على الحكومة اللبنانية أن تضع شروط مضادة على طاولة التفاوض، لذلك الوقت هو اليوم لترتيب أوراقنا الداخلية لتعزيز موقع الدولة اللبنانية في التفاوض. ما زالت إسرائيل تضغط بحربها العسكرية وما زال المقاومون في الجنوب يواجهون، يحاول كل فريق تسجيل نقاط للضغط بها خلال المفاوضات.
لبنان مختبر التنوع العالمي
لم تكن الحروب التي شهدها لبنان محصورة بتداعياتها العسكرية والاقتصادية، ولأن قاعي غاص في كتبه ومؤلفاته عن تجربة لبنان طوال سنين الحرب حتى اليوم، يدرك جيداً أن الحرب الأخرى الأكثر ضراوة تمثلت في منع تكوين مجتمعي في لبنان”.
ولأن لبنان بلد متنوع طائفياً لم يسمحوا له أن يُبنى على التنوع المجتعي، وهذا بحدّ ذاته يعتبر خسارة عالمية كبيرة، لأن العالم كله خسر وليس لبنان وحده. ويشير قاعي إلى أن “لبنان كان بمثابة مختبر التنوع العالمي وقدرته في بناء مجتمع حقوقي، إلا أنه فشل في تحقيق ذلك”.
وعليه، لا يُخفي قاعي هواجسه “طالما الغرب ما زال يبني مجتعمات عنصرية تفتح له آفاق أخرى، إنه أمر مؤسف حقاً لأنه يتلاعب بعواطف الناس. كان على الغرب أن يبني دولة فلسطينية ديموقراطية -إنسانية بين اليهود والفسلطينيين، ولقد خسر بتكوينه الديموقراطي”.
و”بما أن لبنان مصر على طائفيته”، وفق قاعي “علينا تعزيز الحسّ الجماعي الموجود فينا وتهذيب الحس الطائفي لنتخلص من ثقل الدم ونُعيده كتجربة إيمانية حتى يتحرر الأفراد. وبهذه الطريقة ننجح في الترابط سوياً كأفراد وليس كجماعات كما هي الحال اليوم”.
حروب خارجية… يتلوها حرب داخلية
لا تُخفي كيوان أن محاولة الفتنة التي تروّج لها إسرائيل لن تنجح، وقد اعتاد لبنان على استيعاب أعداد كبيرة من النازحين ( النزوح السوري الذي فاق مليون شخص)، وبرغم من المواقف السياسية والاقتصادية والاجتماعية منه وضده ومع ذلك لم يُسجل أحداث تُذكر. صحيح أن الاكتظاظ السكاني قد يُسبب احتكاكاً ولكن لستُ متخوفة من تفاقم الوضع داخلياً. ما علينا التركيز عليه في الوقت الحاضر هو التفاوض وأن نفكر في مستقبل هذا البلد الذي “تبهدل” كفاية.
وبعكس كيوان، يتخوف الهبر من الأيام المقبلة انطلاقاً من دروس الماضي وتجاربه، يقول “لم يحدث حرب خارجية إلا واستتبعت بحرب داخلية، منذ أيام محمد علي باشا في عام 1842 عن اجتياح الشرق الأوسط وأدى إلى حرب 1860، ولا يمكن فصل 7 أيار عما جرى في حرب تموز 2006. كما لا يمكن فصل حرب الجبل 82 عن الإجتياح الإسرائيلي آنذاك، أو حرب 100 يوم في الأشرفية عن حرب 1972 أي عملية الليطاني.
يفرض هذا النزوح تساؤلات وفرضيات كثيرة تنطلق من هدف إبعاد حزب الله إلى ما بعد الليطاني، في حين يرى البعض أنها ورقة تفاوض تتمسك بها إسرائيل بعد سعيها لخلق ما يسمونه بمعادلة التهجير المتبادل بين إسرائيل وجنوب لبنان قبل أن تضع شروطها المبتغاة، وفرضية أخرى تشير إلى تعمد إسرائيل إلى اتباع سياسة الأرض المحروقة لمنع أهل الجنوب من العودة إلى قراهم. أما البعض الآخر فله نظرة أكثر تشاؤماً وقلقاً تتمثل بتهجير اللبنانيين إلى مناطق تشهد توتراً واعتراضاً ضمنياً ليكون النازحين بمثابة قنبلة موقوتة لإشعال فتنة داخلية.
نزوح غير مسبوق
يوضح الأستاذ في علم الإجتماع الدكتور عبدو قاعي في حديثه إلى “النهار”، أنه “عوض بناء تنوع مجتمعي، لجأ الشباب مجدداً إلى طوائفهم، وهذا ما يخيفني حقاً ويجعل العدو الإسرائيلي متسلطاً علينا، لأننا بهذه الطريقة نتشابه به. فإسرائيل ليست مجتمعاً وإنما فئة عنصرية مسيطرة. كل الحروب في الشرق الوسط دفعت الشعوب إلى التكوّن على قاعدة جماعية إنتمائية وليس على قاعدة مجتمعية، وهذا أمر مرعب جداً”.
في حديثه، تلمس مدى تخوفه من “التكوين الجماعي لأنه ضد لبنان”، يعترف قائلاً “أخاف أن يكون هذا النزوح الأصعب، لدي شعور سيئ حيال ذلك وأتمنى أن نتحلى بالوعي ونستقوي على عنصرياتنا وأن يحفز ما جرى إنسانيتنا وتكويننا الإنساني”.
تكمن مشكلة النزوح في أنه يكون نتيجة لمجتمع مهدم، وما وصلنا إليه في لبنان أننا لم نعد مجتمعاً واحداً وإنما جماعات غير متألفة. ما يراه قاعي اليوم “اننا متضامنون ولكننا لسنا متحدين، وهذه مشكلة حقيقية، ولا شيء قادر على أن يجعل هذا الإتحاد ممكناً إلا الأفراد التي تجمعهم الحقوق المدنية الواحدة، وهذا ما لم يحصل بعد في لبنان”.
والذي كان عائقاً في تحقيق ذلك هو التبعية لزعماء الطوائف، وهذا ما يُخيف قاعي، يقولها بصراحة “من هيك الخوف من النزوح”. قاعي الذي عمل سنين حياته في علم الاجتماع والديموغرافية، يعرف جيداً عما يتحدث، يغوص في البعد الإجتماعي أكثر، يشرح “هناك فئة من الشباب تابعة لزعماء طوائف، وبالتالي أصبح المجتمع كناية عن جماعات تمتلك الحدّ الأدنى من التضامن مقابل فقدان الإتحاد المجتمعي”.
من جهته، يؤكد مدير عام شركة “ستاتيستكس” ليبانون رييع الهبر أن هذا النزوح “لم نشهده مثله في الحروب السابقة. والخطورة تكمن في أن هذا النزوح جاء بعد القضاء على أي سُبل أو فرصة في العودة، فنحن لم نشهد من قبل عملية تدمير للبنى التحتية والمنازل بهذا الشكل الذي نراه اليوم. إنها المرة الأولى التي يجري فيها تهجير السكان بشكل كامل من دون السماح لهم بالعودة من خلال تدمير المنازل ومحو القرى بشكل كامل”.
والهدف من هذه السياسة المتبعة، وفق الهبر “ضمان عدم السماح لحزب الله بالحصول على غطاء شعبي وحماية شعبية له”.
استغلال النزوح… ولكن!
برغم كل الأرقام والمخاوف من هذا النزوح، فإن لدى الأستاذة في العلوم السياسية والمديرة العامّة لمنظّمة المرأة العربية الدكتورة فاديا كيوان رأي مختلف، فهي لا ترى أن هذا النزوح سيتحول إلى تهجير والبقاء قسرياً في المناطق والقرى التي نزح إليها قسم كبير نتيجة القصف الإسرائيلي المستمر.
في عاميّ 1996 و2006 نزح المئات من الجنوب بسبب الحرب وبعد قرار وقف اطلاق النار عادوا جميعاً إلى قراهم، كما تشير كيوان، برأيها “لدى الجنوبين حب كبير للأرض ولقراهم، ولا يختلف حالهم اليوم عما كانوا عليه في الماضي، العزيمة نفسها والإيمان نفسه بالعودة.
هناك كلام كبير وخطير يُحكى اليوم استغلالاً للنزوح، وهي ضغوط نفسية تُمارسها إسرائيل على الناس للنيل من عزيمتهم ومعنوياتهم”.
في حين يعود قاعي إلى عام 2006، حيث كان “لا يزال في لبنان بنية مجتمعية أكبر وأوسع، أما اليوم في كل العالم وليس في لبنان فقط، أصبحت البنيات المجتعية هشة. نجد مثلاً في الولايات المتحدة عودة إلى التكتلات الجماعية التي تتغلب على التكوينات المجتمعية”.
ليلي جرجس – النهار
