
انعقد في السراي الكبير مؤتمر إطلاق النداء الإنساني العاجل للبنان 2026 بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وسفراء الدول المانحة وممثلي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة.
وفي كلمته، أعرب سلام عن تقديره لوقوف المجتمع الدولي إلى جانب لبنان في هذه المرحلة الدقيقة، معتبراً أن حضور ممثلي الدول والمنظمات في بيروت يبعث رسالة تضامن واضحة في وقت يواجه فيه لبنان أحد أخطر فصول تاريخه الحديث.

وأشار إلى أن الأمل الذي تحدث عنه غوتيريش خلال زيارته إلى لبنان في كانون الثاني الماضي، حين قال إن نافذة فُتحت تمهّد الطريق لعصر جديد من الاستقرار المؤسسي، بات اليوم مهدداً بالإغلاق مع تجدّد التصعيد.
وأوضح سلام أن الشعب اللبناني يجد نفسه مرة أخرى في مرمى النيران في صراع لم يختره ولم يرده، لافتاً إلى أن أكثر من 900 ألف شخص اضطروا خلال الأسابيع الماضية إلى النزوح من منازلهم والبحث عن ملجأ في مختلف المناطق اللبنانية.
وأشار إلى أن قرى وبلدات كاملة في الجنوب أُفرغت من سكانها بين ليلة وضحاها، فيما اضطرت العائلات إلى الفرار حاملة ما تيسّر من مقتنياتها، في وقت تحولت فيه المدارس إلى مراكز إيواء، وتعمل المستشفيات فوق طاقتها تحت ضغط أعداد كبيرة من المصابين والمرضى، فيما تتعرض الخدمات الأساسية لضغط هائل.
وأكد أن مئات الأشخاص قُتلوا وأصيب آلاف آخرون، مشدداً على أن وراء كل رقم قصة إنسانية لعائلة أو طفل أو أب أو أم تغيّرت حياتهم فجأة بسبب الحرب.
وقال سلام إن المجتمع اللبناني، الذي أنهكته سنوات طويلة من الأزمات، يجد نفسه اليوم على حافة ما يفوق قدرته على الاحتمال، محذراً من أن الحروب الحديثة باتت تمحو القواعد التي كانت تضبط النزاعات، وأن التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وهو أساس القانون الدولي الإنساني، بات مهدداً.
وشدد رئيس الحكومة على أن لبنان لم يختر هذه الحرب، وأن العائلات التي اضطرت للنوم في الشوارع أو في سياراتها أو في مراكز إيواء مكتظة لم تخترها، وكذلك الأطفال الذين يستيقظون يومياً على الخوف من الغارات.

وأكد أن الشعب اللبناني ليس ساحة معركة، وأن مستقبل لبنان لا يمكن اعتباره أضراراً جانبية، مشدداً على أن وقفاً فورياً لإطلاق النار ليس خياراً سياسياً فحسب بل ضرورة إنسانية ملحّة، داعياً إلى وقف القتال وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني.
وفي الشق الأمني، أكد سلام أن حكومته مصمّمة على استعادة سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر السلاح بيد الدولة وحدها.
وأشار إلى أن الجيش اللبناني فكّك بالفعل أكثر من 500 موقع عسكري ومستودع أسلحة جنوب نهر الليطاني في إطار خطة شاملة لحصر السلاح تحت سلطة الدولة.
كما أعلن أن الحكومة اتخذت قراراً بحظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لـ حزب الله ولجميع الجهات غير الحكومية، اللبنانية وغير اللبنانية، داعية جميع الأطراف إلى تسليم أسلحتها للدولة وحصر العمل السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
وأوضح أن هذه الإجراءات تمثل خطوات عملية لبناء إطار أمني وطني موحّد، لافتاً إلى تعزيز التدابير الأمنية والرقابية على الحدود وفي مطار بيروت الدولي وعلى الطرق الحيوية.
كما أشار إلى اتخاذ إجراءات حازمة بحق الذين اعتدوا على قوات اليونيفيل، تأكيداً على التزام لبنان حماية شركائه الدوليين.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أكد سلام استعداد لبنان لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل تحت رعاية دولية وبمشاركة مدنية.
وحذر رئيس الحكومة من أن لبنان يقف اليوم على حافة هاوية إنسانية، مشيراً إلى أن عدم تعبئة الدعم الدولي سريعاً قد يؤدي إلى تفاقم التداعيات الإنسانية خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
ودعا المجتمع الدولي إلى التحرك ليس فقط بكلمات التضامن، بل عبر دعم سياسي وإنساني حاسم يشمل الإمدادات الطبية والغذاء والمأوى والوقود، إضافة إلى جهود دبلوماسية لوقف التصعيد وإعادة الاستقرار إلى لبنان.
وأكد أن ما يواجهه لبنان اليوم يمثل لحظة بقاء، فيما يشكل للمجتمع الدولي لحظة مسؤولية.
من جهته، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن زيارته إلى لبنان تأتي في إطار التضامن مع الشعب اللبناني، مشدداً على أن التضامن بالكلمات يجب أن يقترن بالتضامن بالأفعال.

وأعلن غوتيريش إطلاق نداء إنساني عاجل بقيمة 308.3 مليون دولار لدعم لبنان، مؤكداً أن هذه المساعدة مطلوبة بشكل طارئ في ظل التصعيد العسكري الذي خلّف خسائر فادحة.
وأشار إلى أن مئات المدنيين قُتلوا في لبنان، بينهم عدد كبير من الأطفال، فيما اقتُلعت مجتمعات بأكملها من أماكنها وانقلبت حياة الناس رأساً على عقب.
وأوضح أن أوامر الإخلاء باتت تمتد إلى مناطق أوسع في البلاد، فيما تعرّض الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية لاضطراب خطير.
ولفت إلى أن أكثر من 816 ألف شخص نزحوا داخل لبنان، في حين عبر أكثر من 90 ألف شخص إلى سوريا، معظمهم من السوريين إضافة إلى لبنانيين.
وأشار إلى أن المدارس فتحت أبوابها لإيواء العائلات النازحة، فيما يواصل العاملون في القطاع الصحي أداء مهامهم تحت ضغط كبير، وتُظهر المجتمعات المحلية قدرة لافتة على الصمود.
وأوضح أن وكالات الأمم المتحدة وشركاءها الإنسانيين يعملون بالتعاون مع السلطات اللبنانية لتوفير الغذاء والمياه النظيفة والمستلزمات الأساسية، مؤكداً أن هذه الجهود تنقذ الأرواح لكنها تحتاج إلى دعم أكبر.
وأكد أن النداء الإنساني العاجل يهدف إلى توسيع المساعدات المنقذة للحياة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، بما يشمل الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والحماية والخدمات الحيوية.
وختم غوتيريش بالتأكيد أن نجاح هذا النداء يتطلب تمويلاً سريعاً ومرناً وضمان وصول العاملين في المجال الإنساني إلى المحتاجين بأمان، مشيراً إلى أن شهر رمضان المبارك وزمن الصوم الكبير يعكسان روح الرحمة والعطاء التي تميّز الشعب اللبناني، الذي لطالما فتح أبوابه للنازحين، داعياً العالم إلى الوقوف إلى جانبه في هذه المرحلة الصعبة.
