بيروت تدير تداعيات طرد السفير الإيراني

تدور في الكواليس السياسية في بيروت حركة اتصالات مكثفة وبعيدة من الأضواء، هدفها الأساسي احتواء التداعيات السياسية لقرار الدولة اللبنانية طرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني ومنع تحوّل هذه الخطوة إلى أزمة حكومية مفتوحة في لحظة إقليمية شديدة الخطورة.
وتكشف مصادر سياسية رفيعة ل”وكالة اخبار اليوم”عن أن “خطوط التواصل التي فُتحت بين المقرات الرئاسية والقوى الحزبية المشاركة في السلطة تسعى قبل أي شيء إلى منع انتقال التباينات التي فجّرها القرار إلى داخل المؤسسات الدستورية، ولا سيما مجلس الوزراء، حيث برزت مؤشرات مبكرة على انقسام واضح في مقاربة الملف”.
وبحسب هذه المعطيات، فإن “الاتصالات الجارية لا تقتصر على إدارة الخلاف حول القرار بحد ذاته، بل تتناول أيضاً كيفية إعادة تنظيم التوازنات داخل الحكومة بما يمنع انتقال التوتر إلى مستوى تعطيل المؤسسات. فقرار الطرد، وإن جاء في سياق سيادي رسمي، فتح باباً واسعاً للنقاش داخل القوى السياسية حول توقيته وتداعياته الإقليمية، الأمر الذي استدعى تحركاً سريعاً لضبط الإيقاع السياسي ومنع الانقسام من التمدد داخل السلطة التنفيذية، خصوصاً في ظل خشية جدية من أن يؤدي أي تصعيد داخلي إلى شلل حكومي في ظرف أمني وسياسي بالغ التعقيد”.
وفي هذا السياق، يلفت المصدر إلى أن “الإشارة التي صدرت عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، عبر السماح للوزير فادي مكي بالمشاركة منفرداً في جلسة الحكومة الأخيرة، فُهمت على نطاق واسع باعتبارها بادرة تهدئة تهدف إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة داخل الحكومة وعدم الذهاب فوراً إلى خيار المقاطعة الشاملة”. غير أن هذه الخطوة، وفق القراءة السياسية المتداولة في الكواليس، “لا تعني إسقاط خيارات الضغط بالكامل، إذ لا تزال أوراق دستورية وسياسية قائمة، من بينها مسألة الميثاقية الحكومية في حال غياب الوزراء الشيعة الخمسة، وهو ما قد يفضي عملياً إلى تعطيل انعقاد جلسات مجلس الوزراء إذا لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة”.
ويعكس هذا السلوك، بحسب المصدر نفسه، “مقاربة مزدوجة لدى القوى الأساسية المشاركة في الحكومة تقوم على مبدأين متوازيين: الأول تجنّب تفجير الحكومة في هذه المرحلة الدقيقة، والثاني الاحتفاظ بأدوات ضغط يمكن استخدامها لاحقاً إذا وصلت الأزمة إلى طريق مسدود. فالجميع يدرك أن انهيار الحكومة في هذه اللحظة سيضيف عاملاً جديداً من عدم الاستقرار إلى مشهد لبناني مثقل أصلاً بالحرب الدائرة في الجنوب وصولا الى كل لبنان وبالأزمات الاقتصادية والمالية المتراكمة”.
بالتوازي مع هذا الحراك الداخلي، تتقاطع المعطيات الدبلوماسية الواردة إلى بيروت مع “أجواء تشاؤمية حيال إمكان تحقيق اختراق قريب في المساعي الرامية إلى خفض التوتر الإقليمي”. فقد نقل وزير الخارجية المصري في لقاءاته الأخيرة مع مسؤولين لبنانيين تقديراً مفاده أن “الجانب الإسرائيلي أقفل عملياً معظم الأبواب أمام الأفكار والمبادرات التي طُرحت حتى الآن لاحتواء التصعيد. وتشير هذه الرسائل إلى أن المرحلة المقبلة قد تبقى محكومة بمنطق إدارة التوتر بدلاً من حلّه، ما يزيد من حساسية أي اهتزاز داخلي في لبنان”.
غير أن “الرسالة الأبرز التي حملها الموفد المصري تمثلت في التشديد على ضرورة الحفاظ على الوحدة اللبنانية والسلم الأهلي باعتبارهما الشرط الأساسي لعبور هذه المرحلة الدقيقة. فالعواصم المعنية بمتابعة الوضع اللبناني تخشى من أن يؤدي تداخل الضغوط الخارجية مع التوترات السياسية الداخلية إلى إضعاف الاستقرار المؤسساتي في البلاد، خصوصاً إذا تحوّلت الخلافات حول الملفات السيادية أو الدبلوماسية إلى صراع سياسي مفتوح داخل السلطة.”
وفي ضوء هذه المعادلة، تبدو بيروت اليوم أمام اختبار دقيق؛ إدارة تداعيات قرار سيادي حساس من دون الانزلاق إلى أزمة حكم، والحفاظ في الوقت نفسه على حد أدنى من التماسك الداخلي في مواجهة مرحلة إقليمية توصف في الأوساط الدبلوماسية بأنها من أكثر المراحل غموضاً منذ اندلاع الحرب الأخيرة على الحدود الجنوبية. وبين هذين المسارين، تتحرك الاتصالات السياسية بصمت، في محاولة لضبط التوازنات الدقيقة داخل السلطة ومنع انتقال الانقسام السياسي إلى مستوى يهدد استقرار الحكومة ومؤسسات الدولة.
داود رمال – “اخبار اليوم”




