لم يعد هناك مكان آمن… ولا جيل يُنقذ البلد

لم يعد الموت في لبنان خبراً عاجلاً… بل أصبح جزءاً من الروتين. أكثر من 150 غارة خلال أقل من 10 دقائق، وما يزيد عن 200 ضحية بين قتيل وجريح خلال ساعات فقط. هذا ليس تصعيداً عسكرياً عادياً، بل مشهد يعيد تعريف معنى الحياة في بلدٍ لم يعد فيه مكان آمن.
لكن خلف هذه الأرقام، ثمّة خسارة أكبر لا تُقاس بالعدّاد اليومي للضحايا: جيلٌ كامل يُسحب بهدوء من المعادلة. منذ اندلاع المواجهات في 2 آذار 2026، دخل لبنان مرحلة نزف مفتوح. ومع التصعيد الأخير، تُقدّر الحصيلة التراكمية بأكثر من 1200 قتيل وما يفوق 3500 جريح خلال أسابيع، مع ارتفاع حاد في أعداد الضحايا مع كل موجة قصف جديدة.
غير أن الأخطر ليس الرقم… بل من يسقط داخله. تشير المعطيات المتقاطعة بين وزارة الصحة وتقارير أممية إلى أن نسبة كبيرة من الضحايا هم من الشباب والأطفال، مع تسجيل أكثر من 150 طفلاً بين القتلى، ومئات الإصابات في صفوف الفئة الشابة. ما يعني أن الحرب لا تضرب البنية التحتية فقط، بل تضرب مباشرةً ما يُفترض أن يكون عماد إعادة النهوض.
“نحن لا نشهد فقط خسائر بشرية، بل عملية استنزاف ممنهجة للعنصر الشاب في المجتمع اللبناني” جملة ما زالت في ذاكرتي من مقابلة تلفزيونية مع إحدى الخبراء الاقتصاديين.
في موازاة ذلك، يتسارع النزيف الديموغرافي، فقد تجاوز عدد النازحين داخلياً 1.2 مليون شخص خلال أسابيع، بينهم نسبة كبيرة من الطلاب والشباب، في وقتٍ خرجت فيه المدارس والجامعات عن دورها الطبيعي لتتحول إلى مراكز إيواء أو تتوقف بالكامل.
هنا، لا تتوقف الخسارة عند حدود الحرب. جيل يُقطع عن التعليم في لحظة مفصلية من عمره، يُدفع إمّا إلى سوق عمل هش، أو إلى الهجرة، أو إلى الفراغ.
قبل هذا التصعيد، كان الشباب اللبناني قد أعاد تعريف مفهوم العمل: الوظيفة لم تعد هدفاً، بل محطة مؤقتة. الاستقرار لم يعد معياراً، بل القدرة على التكيّف. أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة بالكامل: لم يعد الشاب يبحث عن فرصة… بل عن مخرج.
الهجرة، بدورها، لم تعد حلماً، أصبحت رد فعل. آلاف الشباب يسعون يومياً لمغادرة البلاد بأي وسيلة، لا بحثاً عن رفاهية، بل هرباً من واقع لم يعد يُحتمل. من المؤسف أن الهجرة في الحالة اللبنانية اليوم لم تعد خياراً اقتصادياً، بل ضرورة بقاء.
اقتصادياً، تنعكس هذه التحولات بسرعة. فاختفاء الفئة الشابة بين نزوح وقتل وهجرة يدفع لبنان نحو نموذج “الاقتصاد الضعيف ديموغرافياً”، حيث تتراجع القدرة الإنتاجية مقابل الاعتماد المتزايد على التحويلات الخارجية.
أما اجتماعياً، فالتداعيات أعمق. ارتفاع البطالة، انهيار التعليم، الضغوط النفسية الناتجة عن الحرب… كلها عوامل تعيد تشكيل مجتمع أكثر هشاشة، أقل استقراراً، وأكثر قابلية للانفجار. في هذا السياق، لا تبدو الحرب حدثاً عابراً، بل تحوّلت إلى عامل بنيوي يعيد رسم ملامح لبنان.
وهنا، يبرز جيل التسعينات كأكثر الأجيال اللبنانية تعقيداً وتحمّلاً. هذا الجيل الذي نشأ على فكرة إعادة بناء بلد ما بعد الحرب، وجد نفسه يواجه انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، ثم يدخل حرباً جديدة في عزّ شبابه. هو جيل لم يُمنح فرصة الاستقرار، بل طُلب منه أن يتكيّف مع الأزمات وكأنها القاعدة.
جيل عالق بين زمنين: زمن كان يُفترض أن يزدهر فيه، وزمن فُرض عليه أن يقاتل للبقاء فيه. اليوم، لم يعد السؤال كم سيخسر لبنان من شبابه. بل بات “ماذا سيبقى من لبنان إذا استمر هذا النزف؟” في بلدٍ عُرف بثروته البشرية، يبدو أن أخطر ما يُستنزف اليوم ليس المال، ولا البنية التحتية… بل الإنسان نفسه.
ميرنا صابر – breaking news lb




