الصرخة تتجدّد لضبط السلاح المتفلّت شمالًا

نداء الوطن – مايز عبيد
في مشهدٍ بدا طبيعيًا في بدايته، مرّ سرب من طيور اللقلق فوق عدد من بلدات عكار قبل أيام، كعادته في مواسم الهجرة. لكن هذا المشهد الهادئ لم يكتمل، إذ تحوّل فجأة إلى إطلاق نار كثيف من أكثر من جهة، في واقعة صادمة أعادت فتح ملف السلاح المتفلّت في الشمال على مصراعيه.
هذا الحادث، الذي طال حتى الطيور في السماء، لم يكن سوى انعكاس لواقع أوسع وأكثر خطورة، حيث بات إطلاق الرصاص سلوكًا متكررًا لا يرتبط فقط بالمناسبات الاجتماعية، بل يمتدّ إلى أيّ خلاف أو توتر، من دون أي ضوابط أو رادع فعليّ. ومع كل حادثة جديدة، يتجدّد القلق على الأرض، فيما الرصاص يواصل التحليق في الهواء بلا حساب.
وفي الأيام الأخيرة، سجّل الشمال، بين عكار والمنية والضنية وطرابلس، ما يقارب عشرة قتلى نتيجة حوادث مرتبطة بالسلاح المتفلّت، سواء خلال إشكالات فردية أو إطلاق نار عشوائي، ما يعكس حجم الخطر الذي لم يعد محصورًا بمنطقة واحدة، بل بات ظاهرة تمتدّ وتتوسّع.
شهادات النازحين
وللمفارقة، لم يسلم حتى النازحون من هذا الواقع. فبحسب روايات محلّية، فإن عائلات نزحت من الجنوب إلى إحدى قرى عكار بحثًا عن الأمان، لكنها ما إن وصلت حتى اندلع إشكال ليلًا بين عائلتين في البلدة، سرعان ما تطوّر إلى إطلاق نار كثيف. هذه العائلات، التي ظنت أنها وصلت إلى برّ أمان، وجدت نفسها أمام مشهدٍ يعيد إليها ما فرّت منه، فغادرت مجدّدًا نحو قرية أخرى، لأن الهروب من الحرب لا يكون إلى حرب أخرى.
صرخة الأهالي
أمام هذا المشهد، ترتفع صرخة أهالي الشمال وعكار باتجاه الدولة لا سيّما رئيسي الجمهورية والحكومة، مطالبين بخطوات جديّة وحاسمة لوضع حدّ لانتشار السلاح المتفلّت، الذي بات يهدّد حياة الناس اليوميّة ويقوّض الشعور بالأمان في القرى والبلدات.
ويعتبر الأهالي أن استعادة هيبة الدولة تبقى المدخل الأساسي لأيّ معالجة فعلية، مشيرين إلى تجربة بداية التسعينات، حين جرى جمع السلاح من أيدي المدنيين مع عودة مؤسّسات الدولة، ما أسّس لمرحلة أكثر استقرارًا وأمنًا مقارنة بما نشهده اليوم.
ومع تكرار الحوادث واتساع رقعة استخدامها، يعود هذا النموذج ليُطرح كخيار لا يحتمل التأجيل، لأن استمرار الواقع الحالي يعني بقاء حياة الناس رهينة الرصاصة الأولى.
وبين طيور اللقلق التي لم تسلم من الرصاص، وعائلات تبحث عن أمان مفقود، تبقى الحقيقة واضحة: لا أمن من دون حصر السلاح بيد الدولة وحدها في كلّ مكان وليس فقط في بيروت.




