أخبار محلية

قانون المقاطعة على الطاولة..!

علمت “المدن” أنّ جهةً تتحرّك بعيدًا من الأضواء، وتواصلت مع عددٍ من الكتل النّيابيّة الوازنة لطرح مشروع قانون يقضي بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل. في الظّاهر، يبدو الأمر كأنّه نقاشٌ قانونيّ. لكنّ توقيته يسقط عنه هذا التوصيف سريعًا. فغدًا، الخميس 23 من نيسان الجاري، تعقد في واشنطن جولةٌ تفاوضيّةٌ جديدة على مستوى سفيري لبنان وإسرائيل، بعد جولةٍ أولى فتحت برعايةٍ أميركيّة، وفي مناخٍ إقليميٍّ شديد الحساسيّة. وفي هذا السّياق، أوردت “يسرائيل هيوم” أنّ إسرائيل تعتزم طرح القانون اللّبنانيّ الذي يحظر الاعتراف بها أو عقد لقاءات معها أو التّعامل معها. بذلك، لا يعود الطّرح مجرّد تفصيلٍ تشريعيّ، بل يصبح جزءًا من المشهد التفاوضيّ نفسه، أو من محاولة رفع سقف المطالب الإسرائيليّة قبل تثبيت أيّ مسارٍ سياسيّ واضح.

هنا تحديدًا تتبدّى المشكلة الفعليّة. فلبنان لا يواجه نقاشًا تقنيًّا حول نصٍّ صدر عام 1955 وانتهى مفعوله السّياسيّ، بل يواجه محاولةً لاختبار خطّ التّماس الدّاخليّ بين من يرى في أيّ مساسٍ بقانون المقاطعة تمهيدًا سياسيًّا لإسقاط صفة “العدو” عن إسرائيل، ومن يحاول تسويق الأمر كمدخلٍ قانونيٍّ واقعيٍّ إلى مرحلةٍ مختلفة. لذلك، فإنّ المسألة، منذ لحظة طرحها، تكشف انقسامًا عموديًّا بين المكوّنات اللّبنانيّة، لا لأنّ النّاس تختلف على مادّةٍ قانونيّة، بل لأنّها تختلف على تعريف الصّراع نفسه، وعلى ما إذا كان لبنان في موقع تثبيت العداء، أو في موقع التهيئة الباردة للانتقال إلى شيءٍ آخر.

الصّمت النّيابيّ ليس حيادًا

حاولت “المدن” التواصل مع عددٍ من النّواب، إلّا أنّ غالبيّتهم رفضوا التّعليق. هذا الرّفض ليس تفصيلًا. ففي ملفٍّ من هذا النّوع، يصبح الصّمت موقفًا بحدّ ذاته. بعض من تمّ التواصل معهم اعتبر أنّ من المبكر، بل من السّخيف، فتح هذا النّقاش الآن، ولا سيّما أنّه يبدو، في نظرهم، “pass” مجانيًّا للإسرائيليّين، فيما المفاوضات نفسها لم تبدأ بعد بصيغتها الفعليّة، ولم تتّضح حدودها ولا أثمانها ولا مرجعيّاتها.

هذا الاعتراض لا يصدر فقط عن حساسيّةٍ سياسيّةٍ أو أيديولوجيّة، بل عن قراءةٍ براغماتيّة أيضًا. فما الذي يعنيه أن يبدأ لبنان، أو بعضه، بمناقشة إلغاء قانون المقاطعة، في اللحظة التي تسرّب فيها إسرائيل أنّها تريد وضع هذا الملفّ على الطّاولة؟ المعنى المباشر هو أنّ ما يطلب من لبنان لا يبدأ بوقف الاحتلال أو تثبيت الحقوق أو وقف الخروق، بل يبدأ بتقديم تعديلٍ قانونيّ يريح إسرائيل سياسيًّا ورمزيًّا، ويمنحها، من أوّل الطريق، اختراقًا في البنية القانونيّة اللّبنانيّة قبل أيّ مقابل.

القانون تعريفٌ للموقع

في القانون اللّبنانيّ، لا توجد مادّة دستوريّة تقول حرفيًّا إنّ “إسرائيل عدوّ”. لكنّ هذا الوصف قائمٌ عمليًّا عبر منظومةٍ قانونيّةٍ وسياسيّةٍ متكاملة. فهناك، من جهة، الإطار الدّستوريّ العامّ المتّصل بالسّيادة وعروبة لبنان وآليّة عقد المعاهدات. وهناك، من جهةٍ ثانية، قانون مقاطعة إسرائيل الصّادر في العام 1955، وهو النّصّ الأكثر وضوحًا في حظر التّعامل الاقتصاديّ والماليّ وسائر أشكال التّعامل مع إسرائيل. وإلى جانبه، ثمّة موادّ في قانون العقوبات تتناول “العدو” و”الدّولة المعادية” والتّعامل معها أو معاونتها أو تسهيل مصالحها.

لهذا، فإنّ النّقاش حول إلغاء قانون المقاطعة لا يتعلّق فقط بقانونٍ منفرد، بل بمفتاحٍ أساسيّ من مفاتيح تعريف الموقع القانونيّ اللّبنانيّ من إسرائيل. صحيحٌ أنّ إلغاء هذا القانون لا يسقط تلقائيًّا كلّ النّصوص الجزائيّة الأخرى، لكنّه يوجّه ضربةً مباشرةً إلى الرّكيزة الأكثر صراحةً في منع التّعامل معها. ومن هنا، يصبح سؤال التعديل أوسع من النّصّ: هل المطلوب إزالة قيدٍ قانونيّ، أم نقل لبنان، سياسيًّا وتشريعيًّا، من موقع المقاطعة إلى موقع القابليّة للتكيّف، تمهيدًا للتفاوض على الاعتراف أو التّطبيع أو السّلام؟

أمّا دستوريًّا، فإنّ أيّ انتقالٍ من حالة العداء القانونيّ إلى حالة اتّفاقٍ أو معاهدةٍ أو سلام يمرّ، حكماً، عبر المادّة 52 من الدّستور، أي عبر آليّةٍ تبدأ برئيس الجمهوريّة بالتّفاهم مع رئيس الحكومة، وتمرّ بمجلس الوزراء، وتصل، عند الاقتضاء، إلى مجلس النّوّاب. ذلك يعني أنّ لا أحد يستطيع تسويق أيّ تبدّلٍ من هذا الحجم على أنّه تعديلٌ محدود أو مبادرةٌ جزئيّة. المسار، إذا فتح، سيكون سياسيًّا ودستوريًّا وتشريعيًّا كاملًا، لا إجراءً إداريًّا معزولًا.

تثبيت السّقف

في مقابل هذا المناخ، ينفي النّائب عن كتلة “اللقاء الدّيمقراطيّ” بلال عبدالله لـِ”المدن” أن يكون أيّ اقتراحٍ من هذا النّوع قد وصل إلى كتلته. ويقول لـِ “المدن”: “لا، لم يصلنا شيء، ولا يوجد هذا الموضوع مطروحًا على جدول الأعمال”. وحين سئل عمّا إذا كان قد حصل تواصلٌ مع عددٍ من الكتل بشأن هذا الطّرح، أجاب: “أنا لا علم لي بذلك”.

لكنّ أهمّيّة كلام عبدالله لا تقف عند النّفي. فعندما سألته “المدن” عمّا إذا كان تصنيف إسرائيل على أنّها دولةٌ عدوّة لا يزال قائمًا بالنّسبة إليهم، جاء جوابه حاسمًا ومباشرًا: “طبعًا، هذا الأمر لم يتغيّر إطلاقًا، وما زلنا نعتبر إسرائيل عدوًّا، مئةً في المئة”.

هذا الموقف يختصر جانبًا أساسيًّا من الانقسام القائم. فثمّة قوى ترى أنّ مجرّد طرح هذا الموضوع الآن هو انزلاقٌ سياسيٌّ لا مبرّر له، وأنّ أيّ نقاشٍ في إلغاء المقاطعة هو، في العمق، نقاشٌ في إسقاط صفة “العدو” عن إسرائيل، لا في تحديث النّصوص.

من تعديل النّصّ إلى تبديل المعنى

مدير مركز “سيدار” للدّراسات القانونيّة، المحامي محمّد صبلوح، يقرأ المسألة من زاويةٍ تتجاوز اللّفظ إلى الأثر. فهو يقول لـِ “المدن” إنّ القانون اللّبنانيّ يعتبر إسرائيل دولةً عدوّة، وإنّ أيّ مساهمةٍ في التّعامل معها، من دون مبرّرٍ قانونيّ واضح، تعدّ في الأصل تعاملًا مع العدوّ، بما يترتّب على ذلك من آثارٍ قانونيّة.

لكنّ الأهمّ في قراءة صبلوح هو تحذيره من تبسيط المسألة. فإلغاء قانون المقاطعة، في رأيه، لا يمكن النظر إليه كأنّه مجرّد تعديلٍ قانونيٍّ تقنيّ، لأنّه قد يفهم مباشرةً على أنّه تمهيدٌ لفتح باب السّلام مع إسرائيل. وهنا يصيب صلب المسألة. فالمشكلة ليست في شطب نصٍّ أو تعديل مادّة، بل في المعنى الذي ينتجه ذلك سياسيًّا وقانونيًّا: ماذا يبقى من توصيف إسرائيل كدولةٍ عدوّة إذا أزيل القانون الأوضح في مقاطعتها؟

ويذهب صبلوح إلى جوهر السّؤال: هل لبنان مستعدّ أصلًا لفتح هذا الباب؟ فإسرائيل، بالنّسبة إليه، لا تزال تحتلّ أراضي لبنانيّة، ولا تزال، في الوعي السّياسيّ العربيّ العامّ، دولةً عدوّة، بصرف النّظر عن اتّفاقات السّلام التي وقّعتها دولٌ عربيّة أخرى. لذلك، فإنّ طرح الموضوع في لبنان، بمعزلٍ عن السّياقين الوطنيّ والعربيّ، ينطوي على مجازفةٍ كبيرة. وهو يضيف بعدًا لا يقلّ حساسيّة، يتعلّق بما يمكن أن يترتّب على أيّ تعديل من نتائج عمليّة، من السّفر والدّخول والتّعامل والاعتراف والعلاقات المباشرة وغير المباشرة.

انقسامٌ عموديٌّ لا خلافٌ عابر

هذا كلّه يكشف أنّ لبنان ليس أمام سجالٍ تشريعيّ عاديّ، بل أمام انقسامٍ عموديٍّ بين مكوّناته. جزءٌ من البلد يرى أنّ مجرّد إدخال هذا الملفّ إلى النّقاش الآن هو تطويعٌ تدريجيٌّ للرّأي العامّ والسّاحة السّياسيّة، تمهيدًا لنقل ما كان محرّمًا إلى خانة القابل للنّقاش، ثمّ إلى خانة الممكن. وجزءٌ آخر قد لا يذهب، الآن، إلى حدّ تبنّي المشروع علنًا، لكنّه لا يخفي ميلًا إلى اعتبار القانون نفسه عقبةً أمام ما قد تفرضه المفاوضات لاحقًا.

بين هذين الموقعين، لا يبدو أنّ هناك مساحةً وسطى حقيقيّة. فإمّا أنّ قانون المقاطعة لا يزال جزءًا من تعريف لبنان لعلاقته بإسرائيل، وإمّا أنّ ثمّة من يريد بدء تفكيك هذا التّعريف تحت عنوان الواقعيّة. وفي الحالتين، فإنّ الجدل لا يدور على نصٍّ قانونيّ بقدر ما يدور على هويّة الخيار السّياسيّ المقبل.

لهذا، لا يبدو المشروع، حتى الآن، قابلًا للمرور بسهولة. لكنّ خطورته لا تقاس فقط بإمكان إقراره، بل بكونه يكشف، دفعةً واحدة، حجم التّصدّع الدّاخليّ حول واحدةٍ من أكثر المسائل حساسيّةً في الحياة اللّبنانيّة. وما يجري ليس أقلّ من ذلك، إنّه صراعٌ مبكّرٌ على تعريف العدوّ، وعلى سقف التّفاوض، وعلى ما إذا كان لبنان سيدخل أيّ مسارٍ مقبل من موقع الدّولة التي تفاوض تحت ضغط القانون القائم، أو من موقع الدّولة التي تبدأ، بنفسها، تفكيك هذا القانون قبل أن تحصل على أيّ شيء.

بتول يزبك – المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى