Featuredأخبار محلية

7 مسارات لكسر العتمة: الكهرباء 24/24 رهن بثقة المستثمرين… والاستقرار

سلوى بعلبكي – “النهار”

ليست أزمة الكهرباء في لبنان أزمة إنتاج فقط، بل هي واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً واستعصاءً في تاريخ الدولة الحديثة. منذ تسعينيات القرن الماضي، تعاقبت الخطط والوعود، وتبدّلت الحكومات والوزراء، فيما بقي التيار الكهربائي مقطوعاً، كأنه قدر دائم. كل جهة قاربت هذا الملف رفعت شعار “الحل الجذري”، وكل مرحلة بشرت بنهاية العتمة، لكن النتيجة كانت دائماً واحدة: مزيد من الهدر والكلفة والاعتماد على المولدات الخاصة. حتى أولئك الذين جاهروا بامتلاك الحلول، اصطدموا بالواقع السياسي نفسه، أو أعادوا إنتاجه بأشكال مختلفة، فتحول القطاع إلى “ثقب أسود” استنزف المالية العامة، من دون أن ينجح في توفير الحد الأدنى من الاستقرار الكهربائي.

يدرك وزير الطاقة جو صدي تعقيدات الملف، ويحاول تفكيك الألغام السياسية والمالية المتراكمة، عبر العمل على ما يصفه بـ”خطة عمل” قائمة على 7 مسارات متوازية. غير أن أهمية هذه المسارات لا تكمن في تعدادها، بل في كيفية تفاعلها معا، لأن أيا منها، منفردا، لا يكفي لإيصال لبنان إلى كهرباء 24/24.

المسارات الـ7 لخصها الصدي كالآتي:
المسار الأول: إنشاء معامل تقليدية جديدة. نحتاج إلى معملين كبيرين في الزهراني ودير عمار، وتواكبنا في هذا المجال مؤسسة التمويل الدولية. كذلك نتفاوض مع دولة خليجية لإنشاء معمل واحد على الأقل في دير عمار.

الثاني: تشجيع الطاقة المتجددة. من بين 11 ترخيصاً منحت عامي 2022 و2023، ثمة 4 مشاريع قيد التفعيل حاليا، اثنان منها في الجنوب، إلا أن الظروف الراهنة تحول دون تشغيلهما. نعمل حالياً على الضغط على 5 مستثمرين يملكون التراخيص المتبقية لتفعيلها والانطلاق بها في أسرع وقت. توازياً، يجري العمل مع دولة خليجية لإنشاء معمل بقدرة 100 ميغاواط على أرض تملكها الدولة، والمشروع يحرز تقدماً.

الثالث: التحول إلى الغاز، لأسباب بيئية ومالية معروفة. ونعمل في هذا الإطار على مسارين:

الأول، ما يعرف بخط الغاز العربي، بالتعاون مع مصر والأردن وسوريا لتأمين الغاز إلى معمل دير عمار. ويجري حالياً تأهيل جزء من الخط داخل سوريا، إضافة إلى جزء صغير داخل لبنان، ومن المتوقع أن تستغرق هذه الأعمال 3 إلى 4 أشهر بكلفة محدودة.

والثاني، العمل على عقود استيراد الغاز، إلى جانب مشروع وحدة عائمة لتخزين وإعادة تغويز الغاز (FSRU) في دير عمار في مرحلة أولى، ما يتيح استيراد الغاز المسال (LNG) عبر البحر. ومن المهم للبنان تنويع مصادر الاستيراد، براً وبحراً، تفادياً للارتهان لجهة واحدة، كما أظهرت التجربة الأوروبية، ولا سيما في ألمانيا خلال حرب أوكرانيا.

المسار الرابع: الربط الكهربائي مع دول الجوار. نعمل مع الأردن وسوريا على هذا الربط، وقد عرض الأردن تزويد لبنان الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية نظراً إلى وجود فائض لديه. كما يمول الصندوق العربي دراسة لإعادة تأهيل الخط الذي يربط الأردن بلبنان عبر سوريا وصولا إلى محطة كسارة. كذلك سيعد البنك الدولي دراسة جدوى اقتصادية لمشروع كابل بحري يربط قبرص بلبنان (منطقة الزوق). وفي حال نجاح هذا المشروع، قد ترتبط قبرص مستقبلا بالشبكة الأوروبية، ما يتيح للبنان الارتباط بها أيضاً.

الخامس: إعادة تأهيل شبكة النقل التي تتعرض للانهيار مع كل عاصفة كبيرة، ما يستدعي استثمارات واسعة. ونعمل مع الصندوق العربي على تمويل المرحلة الأولى من هذا المشروع.

السادس: إعادة النظر في قطاع التوزيع، وهو قطاع بالغ الأهمية شهد تجارب متباينة بين النجاح والفشل. وتعمل الهيئة الناظمة بالتعاون مع البنك الدولي على إعداد تقرير يفترض صدوره خلال شهر أو شهرين لتحديد مستقبل القطاع.

السابع: الإصلاح المؤسسي للقطاع. فبعد إنشاء الهيئة الناظمة، أصبح في الإمكان تطبيق القانون 462 الذي ينظم قطاع الكهرباء. ويُتوقع أن تتحول مؤسسة الكهرباء إلى جهة تتولى شراء الكهرباء من المنتجين وبيعها للموزعين، على غرار تجربة كهرباء زحلة التي نجحت في تأمين كهرباء شبه مستمرة، بفضل إدارة فعالة وجباية صارمة.

ولكن ماذا عن الكهرباء 24/24؟
لا يعد الصدي بالوصول إلى تغذية كاملة، ما لم يرتبط الملف بهذه المسارات، وبثلاثة شروط حاسمة تطمئن المستثمرين:
“- الاستقرار الأمني: لا استثمارات من دون بيئة مستقرة.
– وضوح هيكلية القطاع: أي تطبيق فعلي للإصلاحات، لا مجرد قوانين.
– الضمانات المالية: فالمستثمر يحتاج إلى تأكيد وضمانات أنه سيقبض مستحقاته، وهو ما نعمل عليه مع الجهات المعنية من البنك الدولي والـ IFC وصندوق النقد، وكل ذلك بالتنسيق مع وزارة المال”.

بكلام آخر، الكهرباء 24/24 ليست مسألة “خطة” بقدر ما هي مسألة ثقة المستثمر بالدولة، وثقة المواطن بأن ما سيدفعه ستقابله خدمة فعلية. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحا: هل تكون هذه المسارات السبعة بداية مسار فعلي نحو الكهرباء، أو أنها ستنضم إلى أرشيف الوعود الثقيلة التي لم تترجم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى