أخبار محلية

“فيتو” الدفاع يُفرمل العفو العام: السجون تنتظر اللجان غدًا

لم تكد جدران مكتب نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب تستكين من نقاشات “المخارج التقنية” لقانون العفو العام حتى انفجرت مفاجأة من العيار الثقيل أعادت خلط الأوراق وأربكت المشهد النيابي برمته.

بينما كان الرهان معقودًا على “تسييل” التوافقات في جلسة اللجان النيابية المقررة غدًا، برز معطى جديد تمثل في دخول مباشر لوزارة الدفاع على خط النقاش، حاملةً معها “فيتوات” المؤسسة العسكرية التي بدت، بحسب ما يقول مصدر نيابي متابع لـ”المدن”، بمثابة “كبح” مفاجئ للاندفاعة السياسية التي شهدتها الساعات الماضية.

مفاجأة رسالة بعبدا

ويكشف مصدر نيابي لـ”المدن” أن كواليس الاجتماع الأخير شهدت حالة من الذهول لدى بعض النواب المشاركين. ففي اللحظة التي كان فيها النقاش يتركز على التفاصيل التقنية، تبينّ أن مجموعة من النواب الذين زاروا قصر بعبدا الأسبوع الماضي، كانوا قد وجهوا رسالة استيضاحية إلى وزارة الدفاع حول النقاط الخلافية.

لم يتأخر الرد، إذ حمل وزير الدفاع ميشال منسى وجهة نظر المؤسسة العسكرية التي جاءت صريحة وقاسية في آن معاً. يعتبر المصدر أن توقيت الرسالة والرد عليها أثرا سلبًا على مناخ التواصل مع المؤسسة العسكرية. إذ شعر بعض النواب أن هناك مسارًا “موازيًا” يطبخ بعيدًا عن طاولة النقاش في ساحة النجمة، مما أدى إلى نوعٍ من “الاستفزاز السياسيّ” للقوى التي تحاول تدوير الزوايا.

يكشف المصدر لـ”المدن” أن رد “الدفاع” تضمن الإشارة إلى أن الموقوفين الإسلاميين الذين لم تصدر بحقهم أحكام، كانوا يتعمدون التغيب عن جلسات المحاكمة. وهذا ما دفع المؤسسة العسكرية لاقتراح التدقيق بملفاتهم وأسباب تغيبهم عن الجلسات.

عقدة الإدغام ومعضلة الـ12 عامًا

تمحور الخلاف الجوهري في الساعات الأخيرة حول نقطتين أساسيتين، الأول مبدأ الإدغام بالعقوبة الأشد، والثاني مصير الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية على الرغم من قضائهم أكثر من 12 عامًا خلف القضبان.

تشير معلومات “المدن” إلى أن وزارة الدفاع، ومن خلفها قيادة الجيش أبدت تحفظات صارمة على مبدأ الإدغام بالشكل الذي يطرحه بعض النواب. ترى المؤسسة العسكرية في الصيغ المقدمة ثغراتٍ قد تسمح بخروج محكومين بجرائم تمس أمن الدولة أو تورطوا في مواجهة مباشرة مع الجيش.

هذا التصلب في موقف “الدفاع” وضع الصيغة المطروحة في “مأزق قانوني” أمام الشارع. إذ تبين أن اعتماد وجهة نظر الوزارة يعني عمليًا استثناء فئة كبيرة من الموقوفين الإسلاميين من مفاعيل العفو.

في هذا الإطار، يسعى النواب السنة إلى تسويق وجهة نظرهم لدى الكتل النيابية الأخرى مثل الثنائي الشيعي والقوات والكتائب وذلك لجمع أكبر عدد ممكن من الأصوات المؤيدة لإقرار القانون في حال عرض على الهيئة العامة لمجلس النواب بصيغة تلبي مطالبهم، أو لإسقاطه إن كانت الصيغة لا تلبي المطالب.

الفيتو السني: لا قانون بلا الإسلاميين

أمام هذا الواقع، لم يتأخر الرد من جانب “النواب السنة” الذين مثلهم في الاجتماعات النواب نبيل بدر، بلال الحشيمي، عماد الحوت، وليد البعريني، وغيرهم. كان النائب نبيل بدر واضحًا وصريحًا في رسم الخطوط الحمراء: أي قانون لا يضمن إخراج الموقوفين الإسلاميين لن يمر”. هذا الموقف يعكس ضغط الشارع السني في بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع والذي لن يقبل “بعفو صوريّ”، يعتبرونه يخدم تجار المخدرات أو المحكومين بجرائم عادية بينما يترك “مظلومي الملفات الأمنية” يواجهون قدرًا معلقًا

قدم النواب السنة دراسة قانونية مفصلة تشرح وجهة نظرهم وتؤكد على ضرورة إنهاء “حقبة التوقيف المفتوح” وتخفيض سقف المؤبد إلى خمسة عشر عامًا سجنية إذ يعتبرون أن العدالة تقتضي النظر في الظروف التي أحاطت بتلك التوقيفات ومدة الانتظار التي فاقت في بعض الحالات عقد الـ12 عامًا من دون حكمٍ.

سباق مع الوقت

على الرغم من الأجواء الملبدة، لا يزال هناك بصيص أمل يحاول النائب إلياس بو صعب التمسك به. فقد تقرر عقد اجتماع ثان مكثف بعد ظهر اليوم لاستكمال النقاش ومحاولة تذليل العقبات التي فرضها رد وزارة الدفاع. الرهان اليوم هو على التوصل إلى “صيغة هجينة” ترضي الهواجس الأمنية للمؤسسة العسكرية من جهة وتلبي المطالب الحقوقية والسياسية للقوى السنية وبقية الكتل من جهة أخرى.

الجلسة المقررة غدًا للجان النيابية ستكون “ساعة الحقيقة”. فإما أن يحمل النواب إلى القاعة العامة توافقًا “منتزعًا من فم الأسد”، أو أن رسالة وزارة الدفاع ستكون هي “الرصاصة” التي ستؤدي إلى تأجيل الملف مجددًا.

لبنان اليوم أمام اختبار حقيقي، فالعفو العام لم يعد مجرد قانون لتخفيف الاكتظاظ، بل صار مرآةً لصراع الإرادات بين “الأمن” و”التسوية السياسية”. فهل ينجح النواب السنة والثنائي الشيعي والمستقلون في العبور نحو “منطقة وسطى” أم أن أسوار السجون ستبقى أعلى من توافقات ساحة النجمة؟ ستحسم الساعات المقبلة الإجابة بين جولات التفاوض المسائية وطاولة اللجان غدًا الثلاثاء.

“المدن”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى