وسط الأزمات… “سلاحٌ” نوعيّ قد يُغيّر المجتمع!

كريستال النوار – Mtv
يتركّز الحديث على الأزمات الاقتصادية والمالية والأمنية، لدرجةٍ قد يبدو التطرّق إلى مشروع إعادة تأهيل المكتبات العامة في لبنان تفصيلاً ثانوياً، ولكن لا بدّ من الإضاءة على هذا الخبر السارّ وسط المشهد السوداوي الذي نعيشه. فقد أطلقت وزارة الثقافة مشروعاً وطنياً شاملاً لإعادة تأهيل 57 مكتبة عامة في مختلف المناطق اللبنانية، ويهدف المشروع إلى ترميم وتوسيع الخدمات الثقافية ودعم المشاركة المجتمعية، وتعزيز دور المكتبات كفضاءات آمنة وحرة للقاء وتنشيط الثقافة.
تحمل إعادة تأهيل هذه المكتبات أبعاداً تتجاوز الكتب والرفوف، لتلامس قضايا التعليم والثقافة والتنمية المحلية وحتى التماسك الإجتماعي؛ فعلى مدى السنوات الماضية، واجهت المكتبات في بلدنا تحديات كبيرة نتيجة الأوضاع الاقتصادية وتراجع التمويل وارتفاع كلفة الصيانة والتجهيز ما دفع البعض إلى خفض نشاطه، فيما واجه بعضها الآخر صعوبات في مواكبة التحوّل الرقمي وتلبية حاجات الأجيال الجديدة.
من هنا، تبرز أهمية مشاريع إعادة التأهيل، التي تهدف إلى تطوير البنية التحتية للمكتبات وتحديث تجهيزاتها وتحويلها إلى مساحات أكثر قدرة على استقطاب الزوار. فالمكتبة الحديثة لم تعد مجرّد مكانٍ لاستعارة الكتب، بل أصبحت مساحةً للتعلّم والتدريب والبحث والتفاعل المجتمعي.
وعلى عكس الصورة النمطيّة السائدة بأنّ الأجيال الجديدة ابتعدت عن القراءة، تُظهر الوقائع والمبادرات الثقافية أنّ فئة واسعة من الشباب لا تزال تبحث عن المعرفة، ولكن بطرق مختلفة؛ فالمكتبة بالنسبة إلى كثيرين أصبحت الملاذ الآمن الذي يركضون إليه هرباً من الضّجيج والاكتظاظ.
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة الكتب والاشتراكات التعليمية، تكتسب المكتبات العامة أهمية إضافية بالنسبة إلى الطلاب والشباب. فهي توفّر بيئة مناسبة للوصول إلى مصادر المعرفة، سواء عبر الكتب الورقية أو المحتوى الرقمي، كما تمنحهم مساحة هادئة قد يصعب إيجادها في أماكن أخرى. لذلك، لا يقتصر تطوير المكتبات على الحفاظ على دورها التقليدي، بل يهدف أيضاً إلى جعلها أكثر قدرة على استقطاب الأجيال الجديدة وتلبية حاجاتها، بما ينسجم مع التحوّلات التكنولوجيّة وأنماط التعلّم الحديثة.
كذلك، فإنّ أثر إعادة التأهيل المكتبات العامة لا يقتصر على الجانب التعليمي فقط، إذ تشكّل المكتبات أيضاً نقاط التقاء داخل المجتمعات المحلية. وهذا يتحقّق من خلال استضافة ورش عمل وأنشطة ثقافية ولقاءات تعليميّة تجمع فئاتٍ عمريّة مختلفة، ما يعزّز المشاركة المجتمعية ويخلق مساحات للحوار والتفاعل بعيداً عن الانقسامات السياسيّة والاجتماعيّة.
على الرّغم من أهمية هذه المشاريع، يبقى نجاحها مرتبطاً بالاستدامة. فإعادة التأهيل لا تقتصر على ترميم المباني أو شراء المعدات، بل تتطلّب خططاً طويلة الأمد للصيانة والتشغيل وتدريب العاملين وتطوير البرامج الثقافية التي تضمن استمرار دور المكتبات في المجتمع.
ويجب ألا ننسى أنّ الاستثمار في المعرفة يبقى من أكثر الاستثمارات تأثيراً على المدى البعيد، نحو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة أزماته بالعلم والثقافة.




