ضريبة صيرفة انطلقت… إجراء شكلي أم خطوة للمحاسبة؟

عزة الحاج حسن – المدن
في خطوة تُعد الأولى من نوعها لملاحقة “أرباح الأزمات”، دخلت الضريبة الاستثنائية على الأرباح المحققة عبر منصة “صيرفة” حيز التنفيذ وأصدر وزير المال ياسين جابر قراراً حدّد بموجبه آليات تطبيق الضريبة. وبينما يروّج البعض للقرار كإنجاز لاستعادة المال العام، يبرز العديد من الشكوك حيال القدرة الفعلية على التنفيذ في ظل التعقيدات الكثيرة التي تقف في وجه تطبيق الضريبة وتحقيق الهدف المرجو منها، فهل يكون القرار إجراء شكلياً، أم خطوة للمحاسبة؟
من هم المستهدفون؟
بموجب القرار المستند إلى قانون موازنة 2026، ستخضع كافة العمليات التي تجاوزت 100 ألف دولار أمريكي خلال الأعوام 2021 و2022 و2023 لضريبة إضافية بنسبة 17% على الأرباح الصافية.
وألزم القرار المصارف التجارية بتزويد الإدارة الضريبية بكامل البيانات الإلكترونية للمستفيدين خلال شهرين، مع فتح باب التصريح الطوعي للمكلفين وتسديد الضريبة عبر القنوات المعتمدة مثل “ليبان بوست” وشركات تحويل الأموال. كما استثنى القرار صراحةً العمليات المرتبطة برواتب وأجور موظفي القطاعين العام والخاص.
عقبات التنفيذ
على الرغم من إيجابية القرار وإن نظرياً، فإنها لا تتجاوز كونها الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل. إذ يبرز العديد من التحديات في وجه تنفيذها بشكل فاعل، أولى تلك التحدّيات يتعلّق بمديرية الضريبة بوزارة المالية، التي تعاني من نقص حاد في الكادر البشري كما باقي مديريات وزارة المالية، وهذا ما يجعل تدقيق ملفات آلاف العمليات على مدار ثلاث سنوات أمراً “شبه مستحيل”.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن حجم التّداول عبر منصّة صيرفة خلال سنوات 2021 و2022 و2023 تجاوزت قيمته 24 مليار دولار، ولا يخفى على أحد أن التداول عبر صيرفة كان يقتصر على شراء الدولارات من قبل الجمهور وليس العكس. تلك المليارات تكشف مئات آلاف العمليات التي على موظفي المالية تدقيقها وهو ما يجهل المهمة بالغة التعقيد.
إضافة إلى ذلك، تبرز معضلة “تحديد الربح الصافي”، ففي ظل تقلبات سعر الصرف العنيفة خلال سنوات الأزمة، يبدو من الصعب تقنياً احتساب ربح كل عملية بدقة، ما قد يفتح الباب أمام “المراوغة الضريبية” والاعتماد على ذمة التاجر في التصريح. فتجار وبائعو التجزئة كانوا يشترون الدولارات دورياً على سعر المنصّة بسعر الدولار المحدد، كـَ 50 ألف ليرة على سبيل المثال، لكنهم يبيعون البضائع في السوق على أساس سعر صرف السوق الحقيقي؛ أي 65 ألف ليرة للدولار وليس بالضرورة، فالربح المحقّق في هذه العملية يختلف عنه في عملية اليوم السابق أو التالي إذ يتغيّر سعر الصرف وأحياناً سعر دولار صيرفة وبالتالي تتغيّر معه نسبة الربح.
وفق القرار الجديد فالضريبة الإستثنائية تقع على صافي الأرباح، وهذا ما يعني أن التدقيق يجب أن يتم بكل عملية لكل شخص على حدة والعودة إلى أسعار الدولار في السنوات السابقة يوماً بيوم.
“كارتيل التجار” أقوى من الدولة؟
لا تبدو المعركة تقنية فحسب، بل هي أيضاً معركة نفوذ، حيث تؤكد كافة التجارب السابقة، قدرة وسطوة التجار على أصحاب القرار وليس بعيداً من ذلك، شهدنا بالأمس القريب كيف تراجعت الحكومة عن “الرسم البيئي” تحت ضغط التجار والمستوردين الذين مارسوا الضغط على المستهلك من خلال رفع الأسعار فوراً لإلزام الحكومة على التراجع عن القرار علماً أن الرسم البيئي لم يُفرض على المستهلك إنما على المستورد صاحب المستوردات “الملوّثة”.
وليس بعيداً من ملف الرسم البيئي، ليس من المتوقع أن تشهد الضريبة الاستثنائية على أرباح صيرفة تعاوناً من المستفيدين منها لا بل أكثر من ذلك من المتوقع أن تُواجه بعراقيل، لا سيما من قبل المصارف وعدد كبير من مديري الفروع المصرفية الذين حقّقوا أرباحاً طائلة من منصة صيرفة. كل تلك الهواجس تطرح علامات استفهام عن مدى شفافية البيانات التي ستقدمها تلك المصارف لوزارة المالية.
ضريبة شكلية أم بداية محاسبة؟
يبقى قرار وزارة المالية استيفاء ضريبة استثنائية على أرباح منصة صيرفة، وعلى الرغم من أهميته “شكلياً” ما لم يقترن بتطبيق صارم وملاحقات قضائية للممتنعين عن التصريح. وعلى الضفة الأخرى من الملف لا بد من استحضار من هندس منصة صيرفة وأتاح استباحة الدولارات، وأهدر ما تبقى من أموال المودعين لتمويل النافذين وتحقيق أرباح غير مُستحقة، من هنا تبدأ المحاسبة الحقيقية.




