برّاك “يربك” الداخل اللبناني… هل كُشِفَ المستور؟

الجمهورية – جورج شاهين
قبل أن يصحح المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك مواقفه الأحد الماضي، عاش البعض “نشوة” عارمة تجاه ما فهمه من قوله “إنّ أي تسوية جدّية في لبنان لا بدّ أن تشمل الحزب وإيران”، معتبرين أنّها دعوة لترتيب علاقاتهم بها بمعزل عن المفاوض اللبناني. ولكن ذلك لم يدم طويلاً، قبل أن يؤكّد برّاك “أنّ بلاده “تتفاوض مع حكومة لبنان في اعتبارها السلطة الشرعية الوحيدة”، وأنّ الحزب مصنّف “منظمة إرهابية أجنبية”، وهي “لا تتفاوض معها”. وعليه، ما الذي كشفته هذه المعادلة؟
ما بين ساعات الصباح الأولى من نهار الأحد وساعات المساء، عاشت الساحة اللبنانية “نوبتين”، واحدة مثيرة “للقلق” وأخرى من “النشوة” المتكرّرة كل فترة من الزمن، نتيجة الترجمة التي تخضع لها تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين، ولا سيما منها تلك التي تحاكي الوضع المستجد بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على لبنان، بالطريقة التي رافقت تصريح الموفد الأميركي إلى سوريا توم برّاك لجهة “الاعتراف” بدور لـ”الحزب ـ القوة الفاعلة”، والتي أنعشت الخلافات الداخلية لساعات معدودة، بطريقة رفعت من معنويات قيادات “الثنائي الشيعي” الرافضة المفاوضات المباشرة، وزادت من إحباط “المفاوض” الذي يعاني ما يكفي من “الألاعيب الإسرائيلية”. ولما دان القلقون ما جاء على لسانه، سارع المعترضون على المفاوضات للتعبير عن ارتياحهم إلى “الاعتراف الأميركي”، ولا سيما منهم المندفعون في “توجيه الخناجر” إلى ظهر الفريق المفاوض، والمسّ بمعنوياته بما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. وبطريقة تتلاقى في نتائجها مع ما تتسبب به “المكائد الإسرائيلية” الممعنة في زرع الألغام أمام المفاوضات.
وأمام هذه المعادلة المتجددة، كشفت المراجع السياسية والديبلوماسية عند مقاربتها للعِقَد الإسرائيلية والإيرانية التي تناوبت على إعاقة “مسار واشنطن – روما”. متوقعة أن لا تقف الأمور عند ضرب الموقف اللبناني وزيادة المصاعب التي تعوق ما أراده لجهة وقف النزف وتجنيب لبنان مزيداً من المآسي، والاكتفاء بما تركته الهزيمة من نكبات، لم تعد هناك قدرة لدى أي من المكونات تحمّلها. لا بل فقد شكّلت هذه المحطة مناسبة قد لا تتكرّر مرّة أخرى لتوجيه “خناجر مماثلة” نحو الجانب الأميركي، سواء عدّ “راعياً أو “مسهّلاً”، وتعطيل أي خطوة تقود إلى إنعاش المسار، وتعزيز الفصل النهائي عن “مسار إسلام آباد” إن كان ما زال للبنان وجود في متنه، بعدما تبدّلت أولوياتهم من المخارج المطروحة لإنهاء الحرب، واستعجال الحل بأسرع وقت ممكن.
وعليه، تضيف المراجع قياساً على ما بلغته التطورات، أنّها لم تعد تستبعد ما يمكن أن تقود إليه التطورات الأخيرة من مفاجآت كانت تخشى بلوغها من قبل. فإلى الحاجة للتثبت من وجود وعود قطعتها إدارة ترامب لأكثر من مرجعية دولية وإقليمية بإنهاء الحرب في لبنان، ولا يريد التراجع عنها. فقد أحيا هذا التناغم الإسرائيلي ـ الإيراني، – سواء كان مقصوداً او بالمصادفة المحتملة عند تبادل الخدمات بين عدوين – تجاه ما يجري في لبنان، التذكير بمقولتين متشابهتين في نتيجتهما، الأولى تحيي نظرية “المنشار” الذي يأكل من الخشب في اتجاهين لزيادة “الهريان” في الداخل اللبناني كما تريده تل أبيب أن ينمو، والثانية تتحدث عن “الطلقة” التي تصيب “عصفورين في حجر واحد” بالمنظور الإيراني، في اتجاه الداخلين الأميركي والإسرائيلي اللذين يستعدان للانتخابات مطلع الخريف المقبل بفارق أيام قليلة بين الاستحقاقين، بما لهما من أهمية مصيرية لدى كل من ترامب وبنيامين نتنياهو.
ومهما قيل في هذه المعادلة التي أوحت الوقائع ما تشير إليها بشكل من الأشكال، توقفت المراجع عينها أمام انعكاسات تصريحات برّاك على الساحة الداخلية ليوم كامل. فرأت في ما ترجمته ردّات الفعل المتناقضة بين أهل الحكم والمعارضين، ما يؤدي إلى كشف ما هو مستور من رغبات دفينة. فإلى الخوف من فشل المفاوضات وتأخير التوصل إلى وقف شامل للنار وإنهاء الاحتلال وعودة النازحين واستعادة الأسرى، التي عبّر عنها المفاوضون، عبّر المعارضون عن رغبتهم بأن يكونوا أعضاء في الوفد المفاوض على أي طاولة بطريقة مباشرة او في الخفاء كما “اعتادوا” سابقاً، على رغم من اقتناعهم بأنّ مسلسل العقوبات المتلاحقة منذ أولاها عام 1998 ومروراً بمحطاتها المتلاحقة حتى الدفعة الأخيرة منها، تحوّل هذا الاعتقاد حلماً لما يمكن أن يشكّله من خروج على طريقة تعاطي واشنطن مع أي “مجموعة إرهابية”. وهو ما أكّده برّاك في توضيحه، مصّراً على التعاطي مع من يمثل “الشرعية الدستورية” دون اي فريق او شخص آخر، ما عدا الموجودين على لائحة الوسطاء الذين يخضعون لـ “التجربة” حتى اليوم، والى أجل محدّد، وقد تقلّص هامش المناورة إلى الدرجة القصوى.
وبمعزل عمّا قصده برّاك في مواقفه الأخيرة وما تسببت به من إرباك، لا يمكن تجاهل الدور الإيراني في ما يجري على الساحة اللبنانية. فإنّ الحديث عن مبادرة تقوم بها طهران لإنهاء الوضع الشاذ في لبنان ما زال أمراً صعباً جداً، لاعتقادهم انّ تكلفة التخلّي عن سلاحهم في لبنان أغلى من أي خيار آخر، يؤدي إلى قيام الدولة القوية والقادرة. فكيف إن كان مثل هذا المطلب مدرجاً على لائحة النيات المبيتة لإسرائيل وإيران معاً. وإنّ الكشف عن هذه “المعادلة المستورة” حتى اليوم وتحولها اقتناعاً لدى جميع اللبنانيين، قد لا يكون سهلاً في المدى المنظور قبل “الانهيار الكبير” الذي يتوقعه كثر، إن بقيت بعض المواقف على حالها بحثاً عن دور لسلاح غير شرعي أياً كان ثمنه، والتنكر لفقدان أدواره الإقليمية، وتحوله عبئاً ثقيلاً على بيئتهم وعلى اللبنانيين.



