أخبار محلية

المعاش التقاعدي لرؤساء الطوائف الإسلامية: البقاء للأقوى

خضر حسان – المدن 
تواجه الدولة تحديات مالية صعبة، تزيدها ضغوط مطالبة شرائح اجتماعية واسعة من موظفي القطاعين العام والخاص ومختلف المهن، بتصحيح الرواتب وتحسين الخدمات الاجتماعية والصحية، وتطوير نظام التقاعد، إن على مستوى المعاش التقاعدي أو التغطيات والتقديمات… وإلى ما هنالك. ووسط هذه المعضلة، تسلك امتيازات بعض الأشخاص، مساراً “عسكرياً” إلى أروقة القرار، لتتم المصادقة عليها. وبعد زيادة رواتب النواب، بحجّة الأوضاع الاقتصادية، يأتي مشروع القانون المعجّل المكرّر الذي أحيل إلى مجلس النواب، والقاضي بـِ “استفادة الرؤساء الروحيين للطوائف الإسلامية الأربع، السنية والشيعية والدرزية والعلوية، من معاش تقاعدي”. فهل بدأت الدولة بتحسين أوضاع مواطنيها تباعاً، أم أنّها تكرّس للبعض امتيازات تضرب مبدأ المساواة بين المواطنين؟

 

التذرّع بالواقع المعيشي

كما تذرّع النواب بعدم كفاية معاشاتهم لتغطية نفقاتهم، وجدَ رؤساء الطوائف الإسلامية الأربع الذريعة نفسها ملائمة، واستجاب لهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير المالية، فوقّعوا مع رئيس الجمهورية مشروع قانون معجّل مكرّر لإفادة الرؤساء الروحيين للطوائف الإسلامية، من معاش تقاعدي. فيما جاءت الأسباب الموجبة للمشروع، أنّ عمل هؤلاء له “دور أساسي على المستويات كافة، دينياً واجتماعياً وأخلاقياً ودبلوماسياً، من خلال قيادة المؤمنين وتوجيههم ورعاية شؤونهم الروحية”. وإتمام هذا العمل، يعيقه الواقع الاقتصادي الذي “يكشف عن فجوة كبيرة بين موقعه الاعتباري ورسالته الإنسانية من جهة، وبين واقعه المالي والمعيشي من جهة أخرى، لجهة تدني الرواتب التي يتقاضاها، لا سيما إذا ما قيست بما يتحمّله من أعباء مالية ناتجة عن طبيعة موقعه وما يتطلبه من استقباله الدائم للناس من مصاريف إضافية”.

وعليه، فإنّ “الرؤساء الروحيين”، يرزحون تحت ثقل الواقع المعيشي، علماً أنّهم في السياق الوظيفي القانوني، لا يشبهون موظفي الإدارات والمؤسسات الرسمية، وإن كانوا بصيغة ما يتبعون لرئاسة مجلس الوزراء. فأدوارهم الدينية والإدارية والاجتماعية والقضائية، تتصل بشؤون الطائفة وأوقافها ومؤسساتها، وليس شؤون جميع المواطنين والإدارات الرسمية. ومع ذلك يريدون من الدولة استثناءً بذريعة الواقع المعيشي.

على أنّ الأسباب الموجبة نفسها، يمكن إسقاطها على السائقين العموميين، مثلاً. فهم يقومون بنشاط له بُعد اجتماعي وإنساني يتخطّى خدمة توصيل الركّاب. فالركّاب هم مختلف شرائح المجتمع، ومنهم أطباء وطلاّب ومهندسون وموظفون حكوميون، أي أنّهم يسهّلون وصول موظفين يحرّكون الاقتصاد ومؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة. ولذلك، فإذا كان الدور الاجتماعي وخدمة الناس، يبرّر إعطاء استثناءات تحسّن الوضع المعيشي لفئة معيّنة، فالسائقون العموميون يستحقون ذلك. لا سيّما وأنّ لا “ثقل” اجتماعياً ودينياً يساعدهم في الاستفادة من بعض التقديمات في مجتمعهم، بعد توقّفهم عن العمل.

 

المخصّصات المالية

باب المعاش التقاعدي الذي يُفتَح أمام الرؤساء الروحيين بالطريقة الراهنة، يحيل إلى التذكير بما تستفيد منه مؤسسات الطوائف الروحية، من خلال علاقتها مع الدولة، لا سيّما من الناحية المالية.

وعليه، تستفيد المؤسسات التابعة للطوائف الأربع التي يطالب رؤساؤها بمعاش تقاعدي، من مخصّصات مالية في الموازنات العامة ومن إعفاءات كثيرة، على مستوى الضرائب والرسوم والجمارك وغيرها. وعلى سبيل المثال، أقرّت موازنة العام 2026 مخصّصات مالية مباشرة للمجالس المذهبية للمذاهب الأربعة. فحصلت دار الإفتاء على نحو 77 مليار ليرة، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على نحو 34.3 مليار ليرة، والمجلس المذهبي الدرزي على نحو 53 مليار ليرة، والمجلس الإسلامي العلوي على نحو 160 مليون ليرة. أما القانون 210/2000 فنصّ على إعفاء كل طائفة معترف بها قانوناً وكل شخص معنوي ينتمي إليها بحكم القانون، من جميع الضرائب المباشرة وغير المباشرة والرسوم والعلاوات التي تستفيد منها قانوناً المؤسسات العامة، وفق الشروط التي حددها القانون والقرارات التطبيقية. ومن بين تلك الإعفاءات على سبيل المثال لا الحصر، رسوم انتقال الأموال والعقارات، رسم الطابع المالي، بعض الرسوم البلدية والعقارية. كما أنّ رجال الدين التابعين لتلك المؤسسات، معفون من ضريبة الدخل على الرواتب والأجور. وتجدر الإشارة إلى أنّ المجالس المذهبية للطوائف المسيحية، على مختلف مسمّياتها، لا تستفيد من إيرادات مالية منصوص عليها مباشرة في الموازنة، إلاّ أنّها تستفيد من الإعفاءات المقرّة بالقانون. وانطلاقاً من ذلك، فإن الامتيازات المالية لتلك المؤسسات ورؤسائها وبعض أعضائها، تتمحور حول 3 أبواب:

 

أولاً: الإنفاق المباشر ضمن الموازنة العامة.

ثانياً: الإعفاءات الضريبية والجمركية.

ثالثاً: الإنفاق الحكومي على مؤسسات تتبع لمجالس الطوائف أو ترتبط بها. (ومنها المدارس، التي لا تستفيد منها حتى المدارس الخاصة التي لا تتبع لمجالس الطوائف).

ولذلك، فإنّ المجالس المذهبية ورؤساءها، يديرون أنشطة خاصة، ويقبضون تحت ستارها، من المال العام. أمّا الحديث مثلاً عن خدمة الناس من خلال تسجيل عمليات الزواج والطلاق، فإنّ هذه المعاملات لا تثبَّت رسمياً إلاّ عبر دوائر النفوس، أي عبر مؤسسات الدولة المدنية – العلمانية، وليس المذهبية. وبالتالي، لا تستوجب دفع أموال عامة مرّتين لقاء الخدمة نفسها. أما امتلاك وإدارة المدارس، فهو شأن خاص لا يستوجب أي تقديمات استثنائية من الدولة، لا يراعى فيها باقي المدارس الحكومية أو الخاصة غير الدينية. في حين أنّ الشؤون الدَعَوية الدينية، هي عمل “روحاني” لا ينص عليه الدستور أو القوانين التي تطبَّق على المواطنين بوصفهم متساوين. فالطبيعة الغيبية للدين، تفرض خصوصية معيّنة للمؤمنين به، لا تتوافق مع تعاليم دين آخر، على عكس القانون المدني – العلماني. فمثلاً، لا يقول القانون أنّ على المؤمن الكاثوليكي دفع ضريبة TVA بنسبة 5 بالمئة فيما المؤمن الشيعي يدفع 10 بالمئة. لكن يؤمن أتباع المذهب الماروني بأنّ شخصاً ما، قد يدخل الجنّة إذا التزم بتعاليم معيّنة، فيما قد لا يوافق المذهب السنّي على تلك التعاليم كشرط من شروط دخول الجنّة. كما أنّ الله عند المؤمنين، هو مَن يحاكم الناس، في حين أنّ القضاة يحاكمون الناس وفق قانون وضعي وليس غيبياً.

 

أبعد من التصحيح

لا تتّجه الدولة إلى تصحيح خلل أصاب رواتب وأجور مواطنيها، بل إلى تكريس انقسام حاد بين المواطنين. وأبعد من ذلك، فإنّها تعيد تشكيل طبقة جديدة بامتيازات محفوظة قانوناً، فيما تترك باقي المواطنين، ومن بينهم موظّفون حكوميون ومتقاعدون من الوظيفة العامة، المدنية والعسكرية، عرضة للقتل الاجتماعي. إذ تختفي إيرادات الدولة التي زادت عبر الضرائب والرسوم، عندما يتعلّق الأمر برواتب الموظفين والمتقاعدين، فتقسَّط زيادة الرواتب للمدنيين والعسكريين، وتفقد قيمتها. ويُحال إلى المجهول، تطبيق قانون نظام التقاعد والحماية الاجتماعية رقم 319/2023، الذي ينقل الموظفين المضمونين من نظام التعويض المقطوع لنهاية الخدمة إلى نظام المعاش التقاعدي. وفي المقابل، فإنّ الإيرادات الضريبية التي يدفعها كل اللبنانيين، بمن فيهم الموظفون في القطاعين العام والخاص، والعاطلون عن العمل (يدفعون من خلال الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة)، تُستَعمل لتغطية امتيازات لصالح فئة محدّدة. ولذلك، فإنّ الدولة تتّجه عبر مشروع القانون هذا، إلى تكريس مبدأ “البقاء للأقوى”، مع تشويهه بالخصوصية اللبنانية. فالكائنات في الطبيعة محكومة بالقوانين نفسها، ويمكن لمن يتكيّف معها، أن ينجو. لكن في شرع الدولة اللبنانية، فإنّ القوانين تُطَوَّع لتحقيق نجاة فئة معيّنة على حساب باقي الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |