رحلة مهانة وذل إلى مقرات اليونيفل في القطاع الغربي!

مهدي عقيل – الاخبار
لم يعد الوصول إلى مقرات القوات الدولية في القطاع الغربي من جنوب لبنان مسألة نقلٍ عادية للعاملين اللبنانيين فيها. فمنذ توقف الحرب الأخيرة على لبنان في 16 حزيران الماضي، بات دخول هؤلاء إلى مواقع عملهم داخل المناطق المحتلة خلف ما يُسمّى «الخط الأصفر»، يتمّ عبر إجراءات معقدة، وفي ظل مواكبة من آليات اليونيفل وتنسيق كامل مع الجيش الإسرائيلي واستخبارات الجيش اللبناني.
تُسيّر القوات الدولية قافلتين أسبوعياً لنقل العاملين اللبنانيين إلى تلك المواقع: الأولى يوم الثلاثاء، إلى المقر الرئيسي لليونيفل في الناقورة، والثانية يوم الخميس، وتسلك طريقها نحو مقر الكتيبة الإيطالية في بلدة شمع. وقد تُنظّم عمليات نقل محدودة في أيام أخرى لحالات استثنائية، لكنّها تخضع للإجراءات نفسها.
يمضي هؤلاء العمال أسبوعاً كاملاً، وأحياناً أكثر، في مواقع اليونيفيل، قبل أن يعودوا إلى بلداتهم. وبين الذهاب والإياب، لا يقتصر الأمر على الانتقال من نقطة إلى أخرى، بل يتحول إلى رحلة محفوفة بالحواجز والتفتيش والانتظار، وصولاً إلى مشاهد متكررة من الإذلال والإهانة، لا تطال اللبنانيين وحدهم، بل تطاول أيضاً ضباطاً وعناصر في القوات الدولية.
تنطلق كل من القافلتين من استراحة مدينة صور السياحية. وقبل الاقتراب من المناطق المحتلة، تتوقف القافلة عند حاجز ثابت لاستخبارات الجيش اللبناني في منطقة المعلية، على مسافة لا تتجاوز كيلومترين من «الخط الأصفر». هناك، يجري التدقيق في مستندات العمال والتثبت من ورود أسمائهم في الأذونات التي استُحصل عليها مسبقاً للسماح لهم بدخول المنطقة المحتلة.
بعد ذلك، تتابع القافلة طريقها نحو الجنوب، إلى أن تتجاوز «الخط الأصفر» عند محلة الحمرا، التي كانت ذائعة الصيت خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1978 و2000. عند هذه النقطة تحديداً، يتبدل شعور العمال؛ فمع دخولهم منطقة يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، يحضر الخوف من احتمال التعرض لأي مكروه، في ظل عدو اعتاد الغدر. لكن الحاجة إلى لقمة العيش، في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي يعيشها الجنوبيون، تدفعهم إلى تحمّل ما لا يرغبون فيه.
ومن هنا تبدأ رحلة أخرى: رحلة الذل التي تُفرض عليهم باسم إجراءات أمنية لا يبدو أنها تتوقف عند حدود الضرورة.
القافلة المتجهة إلى الناقورة تخضع أولاً لتفتيش جسدي عند نقطة عسكرية ثابتة للجيش الإسرائيلي في محلة اسكندرونة، حيث استحدث العدو بوابة يفتحها الجنود بعد تعمّد التأخير لأكثر من ساعة من دون أي سبب. بعدها، يخضع العمال لتفتيش ثانٍ عند نقطة بمحاذاة الفندق القريب من ساحة بلدة الناقورة، قبل أن يُسمح لهم أخيراً بالوصول إلى مقرات القوات الدولية.
أما القافلة المتجهة إلى شمع، فتخضع بدورها لتفتيش عند حواجز إسرائيلية ظرفية، تتمركز غالباً في بلدة البياضة. ولا يخلو التفتيش من مظاهر مهينة وتنمّر واستفزاز و«تلطيش». كما يحاول بعض الجنود الإسرائيليين فتح أحاديث مع اللبنانيين باللغة الإنكليزية، إلا أن هؤلاء يتجنبون الدخول في أي حديث معهم، خشية أي احتكاك قد يؤدي إلى منع العامل من دخول المنطقة مجدداً.
وإلى ذلك، ثمة قافلة ثالثة تنقل العاملين اللبنانيين داخل المنطقة الصفراء نفسها، من البلدات المسيحية التي لم يُهجّر أهلها (رميش وعين إبل ودبل في قضاء بنت جبيل)، إلى موقعي القوات الدولية في الناقورة وشمع.
وكانت القوات الدولية، خلال حرب عام 2024 ثم الحرب التي اندلعت عام 2026، تنقل العاملين اللبنانيين لديها عبر قوافل تنطلق من مطار رفيق الحريري الدولي، قبل أن تتغير آلية النقل بعد توقف الحرب.
يحمل هؤلاء العاملون والموظفون معهم، في رحلاتهم اليومية إلى مواقع اليونيفل، مشاهد الدمار الذي خلفته الحرب، وتجريف الأراضي، وتغيير معالم البلدات. ويكون المشهد أكثر قسوة بالنسبة إلى أبناء شمع والناقورة، الذين يعاينون بأعينهم منازلهم المدمرة وأرزاقهم التي تحولت إلى مساحات تتحرك فيها يومياً دبابات «ميركافا» وجرافات «D9».
وتشمل ملاحظاتهم أيضاً هيئة الجنود الإسرائيليين وهندامهم، إذ يصف بعض العاملين مظهرهم بأنه متسخ، ورائحتهم شديدة النفور، و«كأنهم لم يستحموا منذ سنوات». ويذهب بعض اللبنانيين إلى ربط هذا المظهر بطبيعة العناصر الموجودة في المنطقة، وبينهم من يعتقد أنهم من المرتزقة أو من فئات اجتماعية فقيرة جاءت إلى جنوب لبنان بدافع الكسب المادي. وهذه الملاحظات نفسها يتحدث عنها أيضاً بعض ضباط وعناصر القوات الدولية.
لكن المشهد تغيّر، على نحو لافت، يوم الخميس الفائت، عندما فوجئت قافلة شمع بجنود إسرائيليين يرتدون ملابس نظيفة. بدا الأمر، في رواية من شهدوا المشهد، وكأن جنود الاحتلال استقروا هذه المرة في احتلالهم لجنوب لبنان، ولم تعد ثمة حاجة إلى التقشف أو الاكتفاء بحياة عسكرية بحتة!




