أخبار محلية

الاقتصاد اللبنانيّ: الاستقرار ليس انتعاشاً

البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ
على مدى أشهر، بدأ يظهر خُطاب يتّسم بالتفاؤل الحذر حول لبنان. فقد بدا سعر الصرف مستقراً بشكل ملحوظ، وكانت المطاعم والمقاهي تعجّ بالحركة، وواصل المغتربون ضخّ العملات الأجنبية في عجلة الاقتصاد المحلي، وتحسنت الإيرادات الحكومية، ودلّت بعض المؤشرات إلى أنّ الانكماش الاقتصادي الطويل الذي بدأ في العام 2019، ربما يكون قد وصل أخيراً إلى أدنى مستوياته. ومع ذلك، فقد جاءت تطوّرات العام 2026 لتذكّرنا بمرارة الواقع… فلبنان مستقر إلّا أنّه بعيد كل البُعد عن الانتعاش.
لذلك، لا بدّ من تمييز جوهري، فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي، سجّل لبنان نمواً حقيقياً في الناتج المحلي الإجمالي يُقدَّر بـ4,2% في العام 2025 وفقاً لأحدث تقييم للبنك الدولي. وكان هذا أقوى نمو مسجَّل منذ بداية الأزمة المالية في العام 2019. فقد تعزَّز الاستهلاك، وأظهرت الاستثمارات بوادر انتعاش، وساهمت السياحة في النشاط الاقتصادي، وعادت التحويلات المالية من الجالية اللبنانية في الشتات لتؤدّي دورها التقليدي كشريان حياة للأُسر والاقتصاد ككل. ومع ذلك، بالنسبة لبلد انكمش اقتصاده بشكل تراكمي بنسبة تقارب 40% منذ العام 2019، فإنّ عاماً واحداً من النمو لا يمكن أن يعوِّض أبداً عن سنوات من تدمير الدخل والمدّخرات والقدرة الإنتاجية.

وقد توقف هذا الانتعاش الهش بشكل قاسٍ بسبب تجدّد الصراع الذي بدأ في آذار 2026. ويتوقع البنك الدولي الآن أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبنان بنسبة تقارب 6,4% في العام 2026. فقد أدّت الأضرار التي لحقت بالمساكن والبنية التحتية، ونزوح السكان، وتعطّل سلاسل الإمداد، وتراجع الطلب المحلي، والتأثير الشديد على السياحة، إلى عكس مسار جزء كبير من الزخم الذي ظهر في العام 2025. ويقدِّر البنك الدولي أنّ النمو الاقتصادي في العام 2026 سيكون أقل بنحو 10,4 نقطة مئوية عمّا قد يكون عليه لولا النزاع.

تروي هذه الأرقام قصة تتجاوز بكثير الأرقام المحاسبية. فعندما تنهار السياحة، لا يقتصر الأمر على خسارة لبنان لحجوزات الفنادق فحسب، بل تفقد المطاعم وسيارات الأجرة والمتاجر ووكالات السفر والشركات الصغيرة وآلاف العمال الموسميّين مصادر دخلهم. وعندما تُشرَّد العائلات، يتوقف نشاطها الإنتاجي، بينما تُوجّه الموارد العامة والخاصة نحو تلبية الاحتياجات الطارئة. وعندما تتضرّر الطرق والمنازل والبنية التحتية، يفقد البلد رأس المال الإنتاجي الذي سيتعيَّن إعادة بنائه في نهاية المطاف. وأبعد من ذلك، عندما يصبح عدم اليقين أمراً دائماً، يتوقف الاستثمار. فقد تكون هذه هي التكلفة الاقتصادية الأكبر التي يتكبّدها لبنان، ليس فقط ما دُمِّر، بل ما لن يتمّ إنشاؤه بعد الآن.

التضخّم يعود كضريبة صامتة أخرى

كما أنّ هذا التدهور يصل إلى الأسر اللبنانية عن طريق الأسعار. إذ يتوقع البنك الدولي أن يرتفع التضخّم إلى حوالى 17,5% في نهاية العام 2026، ممّا يعكس اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وارتفاع أسعار الطاقة. وبالنسبة للعائلات التي تآكلت مداخيلها بشدة منذ العام 2019، يعمل التضخّم تقريباً كضريبة خفية. فالراتب الذي يبقى من دون تغيير، يشتري كميات متناقصة تدريجياً من المواد الغذائية، ووسائل النقل، والتعليم، والرعاية الصحية، والسكن. وقد حمت «الدولرة» بعض الأسر من التقلّبات الحادة في سعر الصرف التي شهدتها السنوات الأولى من الأزمة، لكنّها لم تقضِ على مشكلة القوّة الشرائية. فالسعر المستقر بالدولار ليس بالضرورة سعراً في متناول اليد.

لذلك، لا ينبغي تفسير الاستقرار النسبي لليرة اللبنانية على أنّه دليل على حل الأزمة الاقتصادية. ويشير البنك الدولي نفسه، إلى أنّ استقرار سعر الصرف قد دُعِم بواسطة شحّ السيولة بالليرة واستخدام الاحتياطات، بينما يحذّر من أنّ الضغوط قد تعود للظهور إذا انخفض تدفّق العملات الأجنبية، أو استمرّت الهزات المرتبطة بالنزاع.

من ناحية أخرى، لا يزال القطاع المصرفي المشكلة الأكبر التي لا يجرؤ أحد على التطرُّق إليها. فوراء العواقب المباشرة للحرب تكمن أزمة أقدم لم تُحل بعد، فلم يعالج لبنان بشكل كامل انهيار نظامه المصرفي والمالي. وبعد مرور 7 سنوات على بداية الأزمة، لا يزال المودعون يتحمّلون عواقب نظام مالي عاجز عن القيام بدوره الوسيط بين المدّخرات والاستثمارات بشكل طبيعي. ونتيجة لذلك، تحوَّل لبنان إلى اقتصاد يعتمد بشكل كبير على النقد والدولار. وهذا يولّد وضعاً غير عادي. فالنشاط الاقتصادي مستمر، لكنّ جزءاً كبيراً منه يجري خارج نطاق نظام مصرفي يعمل بشكل طبيعي.

ولا يمكن لاقتصاد حديث أن يعتمد بشكل مستدام على حقائب مليئة بالنقد، والمدفوعات غير الرسمية، والتحويلات الخارجية. فعادةً ما تحوِّل البنوك الودائع إلى ائتمان منتج. وهي تموّل الشركات، الرهائن العقارية، الاستثمار، وريادة الأعمال. ومن دون نظام مصرفي موثوق، يخاطر لبنان بالحفاظ على النشاط الاقتصادي من دون تطوير البنية المالية اللازمة للنمو على المدى الطويل.

ومع ذلك، حدثت بعض التحرّكات المؤسسية. فقد وافق البرلمان على تعديلات على قانون تسوية أوضاع البنوك في آب العام 2026، وهو إجراء يعتبره صندوق النقد الدولي خطوة مهمّة نحو إرساء إطار منظّم للتعامل مع البنوك المتعثرة. لكنّ الأمر ليس سوى عنصر واحد من عملية إعادة هيكلة أكبر بكثير.

ويبقى السؤال الحاسم هو توزيع الخسائر المالية الهائلة المتراكمة. مَن يتحمّل التكاليف؟ الدولة؟ مصرف لبنان؟ البنوك التجارية؟ المساهمون؟ المودعون؟ ولن تعود الثقة بشكل كامل ما لم يعتمد لبنان إطاراً موثوقاً ومنصفاً لمعالجة الفجوة المالية، ويعيد بناء المصارف القادرة على الاستمرار، ويوضّح كيفية التعامل مع الودائع.

من ناحيته، كان صندوق النقد الدولي واضحاً بشكل خاص، في أنّ المودعين لا ينبغي أن يتحمّلوا الخسائر قبل مساهمي البنوك والدائنين ذوي الأولوية الأدنى، وأنّ أي آلية سداد يجب أن تبقى متوافقة مع كل من قابلية القطاع المصرفي وقابلية الدين العام للاستمرار. وبالتالي، فإنّ هذا النقاش ليس مجرّد نقاش تقني، فهو يتعلّق بالمبادئ الأساسية التي ينوي لبنان إعادة بناء اقتصاده عليها: المسؤولية، وتسلسل أولوية المطالبات، وحماية المودعين، والمساءلة، واستعادة الثقة.

هل الدولة تقف وراء الأزمة المصرفية؟

لا تزال الديون السيادية للبنان غير قابلة للاستدامة، في حين أنّ المفاوضات الرسمية لإعادة هيكلة الديون لم تبدأ بعد. وهذا ما يوجِد تناقضاً جوهرياً آخر. إذ يحتاج لبنان إلى مبالغ هائلة من رأس المال لإعادة بناء المساكن والبنية التحتية والخدمات العامة. وفي الوقت نفسه، يحتاج إلى إعادة رسملة أو إعادة هيكلة قطاعه المالي، وتحسين الأجور في القطاع العام، وتعزيز الحماية الاجتماعية، واستعادة مؤسسات الدولة الأساسية. ومع ذلك، فإنّ قدرة الحكومة نفسها على التمويل محدودة للغاية، ولا تزال مستبعدة من أسواق رأس المال الدولية العادية.

والسؤال المطروح هنا، من أين سيأتي المال؟ في نهاية المطاف، لا يوجد سوى عدد محدود من الاحتمالات: الموارد المحلية، والضرائب، والاستثمار الخاص، ورؤوس أموال الجالية اللبنانية في الخارج، والمساعدة المتعدّدة الأطراف، والتمويل الدولي… ولن يكفي أي منها بمفرده. فالأهم من ذلك، أنّ التمويل الدولي الكبير سيكون مرتبطاً حتماً بالإصلاحات.

لذلك، يواجه لبنان خطراً مألوفاً من فترات سابقة في تاريخه، أي الاعتقاد بأنّ إعادة الإعمار يمكن أن تحل مكان الإصلاح. وهذا غير ممكن. فإعادة بناء البنية التحتية المدمّرة من دون إصلاح المؤسسات لا يؤدّي إلّا إلى إعادة إيجاد حالة الضعف.

أسباب تدعو إلى عدم الاستسلام للتشاؤم

إنّ لبنان لا يبدأ من الصفر. فقد أظهرت المالية العامة بعض التحسن. وسجّلت الحكومة فائضاً مالياً إجمالياً يُقدَّر بـ3,9% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2025، مدعومةً بتحسن الامتثال الضريبي وتعزيز تحصيل الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة. ويشير البنك الدولي أيضاً، إلى أنّ هذا التحسن المالي استمر حتى النصف الأول من العام 2026، على رغم من أنّ الإنفاق المرتبط بالنزاع، وانخفاض الإيرادات، من المرجّح أن يولِّدا ضغوطاً متزايدة. كما أقرّ صندوق النقد الدولي بالجهود التي بذلتها السلطات اللبنانية للحفاظ على درجة من الاستقرار المالي والنقدي على رغم من الظروف الصعبة.

كما بدأت الإصلاحات تتحرّك مجدّداً بعد سنوات من الشلل. إذ يسعى لبنان إلى إبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، وقد أحرزت التشريعات المصرفية تقدّماً، وتستمر المناقشات حول الفجوة المالية والإطار المالي وميزانية العام 2027. لكنّ صندوق النقد الدولي أوضح مجدّداً في 1 تشرين الأول، أنّ أي برنامج يتطلّب مزيداً من التقدّم الملموس، ولا سيما قانوناً فعّالاً لتسوية أوضاع البنوك، وقانوناً مناسباً للفجوة المالية، وإطاراً مالياً متوسط الأجل، يتوافق مع القدرة على تحمّل الديون.

لذلك، لا تزال الفرصة سانحة. لكن هذه النافذة قد لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. فعلى لبنان إعادة تعريف معنى «الانتعاش». فأخطر خطأ اقتصادي يمكن أن يرتكبه اليوم هو تخفيض معاييره. فالانتعاش الحقيقي يعني مصارف تعمل بشكل سليم، واستعادة الوصول إلى الودائع، ومالية عامة مستدامة، واستثماراً خاصاً منتجاً، وانخفاضاً في معدّلات الفقر، وبنية تحتية قادرة على دعم النشاط الاقتصادي، ومؤسسات تتمتع بثقة كافية لجذب رأس المال اللبناني والأجنبي.

إذ يمتلك لبنان أصولاً اقتصادية كبيرة، أبرزها سكان يتمتعون بروح المبادرة، وجالية كبيرة وقوية مالياً، ورأس مال بشري كبير، وموقع جغرافي مهم، واقتصاد قادر تاريخياً على الاستجابة بسرعة عندما تتحسن الظروف السياسية. لكن لا ينبغي أن تُستخدم المرونة بعد الآن كبديل عن السياسات.

كما أظهرت الأسر اللبنانية قدرة استثنائية على التكيّف منذ العام 2019. فقد حوّلت معاملاتها إلى الدولار، واعتمدت على الأقارب في الخارج، وأعادت بناء شبكات خاصة للكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والتمويل، ووجدت مراراً وتكراراً سبلاً للحفاظ على استمرار الأعمال. وقد ساعدت تلك القدرة على التكيُّف في منع حدوث شلل اقتصادي تام. ومع ذلك، لا يمكن بناء اقتصاد بشكل دائم يعتمد على قدرة المواطنين على تعويض فشل المؤسسات. وقد جعلت أحداث العام 2026 حقيقة واحدة لا لُبس فيها، التحسن الاقتصادي القصير الأمد الذي شهده لبنان حقيقياً لكنّه هش.

لذلك، لم يعُد السؤال ما إذا كان لبنان قادراً على تحقيق انتعاش موقت آخر. فقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً، أنّه قادر على ذلك. فالسؤال الحقيقي هو ما إذا كان البلد قادراً أخيراً على تحويل المرونة إلى إصلاح، والاستقرار إلى استثمار، وإعادة الإعمار إلى تنمية، والنمو الموقت إلى اقتصاد مستدام. وإلى أن يحدث ذلك، قد يشهد لبنان فترات تتحسن فيها الأرقام. لكن علينا توخّي الحذر قبل الاعتقاد أنّها صحوة «انتعاشية».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |