أخبار محلية

قطاع الاتصالات في لبنان: لماذا التقييم قبل الإصلاح؟

أقلّ من 24 ساعة فصلت في الأسبوع الماضي بين توصية لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، بأكثرية أعضائها، بـِ “تعليق قرار تلزيم إدارة وتشغيل شركتي الخلوي بانتظار تقرير لجنة التحقيق البرلمانية” والمتعلق بقضية هدر أموال عامة في الشركتين، وقرار حكومي مضى في الاتجاه المعاكس، عبر إقرار دفتر شروط ومشروع عقد لجرد أصول قطاع الاتصالات وتقييمها، استكمالًا لإجراءات إنشاء شركة “ليبان تيليكوم”.

مناقصة دولية لعقد الإدارة والتشغيل

لم يقتصر القرار على جرد موجودات وزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو وتقييم أعمالهما، بل نصّ أيضًا على جرد موجودات شركتي الخلوي وأصولهما الثابتة، تمهيدًا لإطلاق “مناقصة دولية لعقد الإدارة والتشغيل”. وهذا ما أبرز التباين بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في توقيت المضي بهذا المسار، على رغم كل الملاحظات التي أحاطت به، وآخرها من قبل السلطة التشريعية.

وبينما أوصت اللجنة النيابية بتعليق تلزيم “الإدارة والتشغيل” في “ألفا” و”تاتش” إلى حين صدور نتائج التحقيق، بدا واضحًا في متن قرار الحكومة الأخير أنها ماضية في إجراءات تحضيرية لمناقصة دولية في هذا الإطار. وهو ما طرح التساؤلات، وفق مصادر نيابية، حول مدى مراعاة الحكومة ووزارة الاتصالات التي رفعت طلبها إليها، لمسارات الرقابة القائمة، وإيلائها الأهمية في عملية الإصلاح المطلوبة في قطاع الاتصالات عمومًا.

ولكن إشكالية القرار لا تتوقف عند توقيت المضي في مسار التلزيم، بل تمتد إلى الآلية التي اعتمدتها الحكومة لتنفيذه. إذ وضعت الحكومة نفقة المشروع على عاتق شركتي الخلوي، مع تكليف شركة “ألفا” إدارة إجراءات المناقصة. هذا في وقت حصر قرار الحكومة مهمة الملتزم في ما يتعلق بشركتي الخلوي، بجرد أصولهما وموجوداتهما الثابتة، وهي أصول محددة وقابلة للحصر من خلال سجلات الشركات، وفقًا لرأي خبير، نظرًا لطبيعتهما الرقمية.

التلزيم وتوزيع الأدوار

وبذلك تكون الحكومة قد حمّلت شركتي الخليوي نفقات دراسة تعنى بشكل أساسي بموجودات أوجيرو كما المديرية العامة للاستثمار والصيانة، والمديرية العامة للإنشاء والتجهيز. وهذا ما يفتح باب التساؤل، وفقًا لمصدر خبير، “عن الأسس التي اعتمدتها الحكومة في توزيع الأدوار والأعباء المالية والإدارية لهذا التلزيم، وعن مدى مراعاة آليات الرقابة على الإنفاق العام، علمًا بأن شركتي الخلوي ليستا الجهة التي قررت التلزيم، ولا يفترض أن يؤدي تحميلهما مسؤوليتها المالية والإدارية إلى تجاوز آليات الإنفاق والرقابة التي ينبغي أن تحكم التصرف بالمال العام. وإلا سيشكل الإنفاق عمليًا مخالفة لتوصيات ديوان المحاسبة، ولا سيما في تقريره الصادر في العام 2022 بعدم جواز إنفاق أموال شركتي الخلوي العامة في مشاريع غير مرتبطة بتطوير القطاع مباشرة”.

تتصل هذه الإشكالية أيضًا بملاحظات هيئة الشراء العام على دفتر الشروط، الذي أُحيل إليها منذ تموز 2025. إذ لا يوضح قرار الحكومة الأخير ما إذا كانت وزارة الاتصالات قد أخذت بهذه الملاحظات، ولا سيما في ما أظهره من تفاوت في تقدير قيمة دراسة “التقييم” بين مليون ونصف المليون دولار ومليونين، أي بفارق يصل إلى نحو 30 في المئة. وهذا ما يجعل إشكالية قرار الحكومة الأخير تتجاوز توقيت إقراره وآليته إلى التداعيات المالية التي يمكن أن تنتج عنهما.

قيمة أصول وزارة الاتصالات

بحسب أوساط المعنيين بالقطاع، لا تتحدد قيمة أصول وزارة الاتصالات بموجوداتها المادية وحدها، إنّما يرى هؤلاء أن أي تقييم لهذه الأصول لا ينفصل عن السياسات التي تحكم تشغيلها، أو عن القرارات التي تؤثر في قدرتها على النمو.

هذا في وقت تتحدث مصادر في شركتي الخلوي عن، أن القطاع الذي “يبيض الذهب” بالنسبة للخزينة العامة على رغم كل الظروف التي مر بها لبنان، لا يقابل بسياسة استثمارية واضحة لتطوير الشبكات وتحسين الخدمة. وتقول المصادر إن مشاريعَ لتحسين الشبكة القائمة أو حتى لتجهيزها بمعدات الجيل الخامس، لا تجد الآذان المصغية لدى السلطة السياسية المعنية.

والحال، وفقًا لما تؤكده المصادر، ينطبق على تحسين واردات الشبكة الأرضية، حيث لا يزال الإنترنت غير الشرعي يستحوذ على حجم السوق الأكبر الذي يفترض أن تديره المنظومة الشرعية المتمثلة بهيئة أوجيرو. وبحسب التقديرات، قد لا تتجاوز حصة أوجيرو 15 في المئة من السوق. وهي نسبة وإن كانت تحتاج الى مزيد من التحقق، إلّا أنّها تفتح نقاشًا أساسيًا حول العلاقة بين قيمة الأصول وحجم السوق الذي تعمل فيه المؤسسة.

فالسوق، بحسب رأي خبير بالاتصالات، “لم تعد تقوم على نقل الصوت وحده، بل بات الإنترنت عنصرًا أساسيًا في الإيرادات والخدمات. وعندما تبقى شريحة واسعة من المشتركين خارج المنظومة الشرعية، فإن الدولة لا تخسر إيرادات فحسب، بل تترك أيضًا جزءًا من السوق خارج إطار الرقابة والتنظيم”.

مكافحة الإنترنت غير الشرعي

يبرز هذا النقاش في المقابل مسؤولية السلطة التنفيذية في تطبيق المراسيم والقرارات المتعلقة بمكافحة الإنترنت غير الشرعي، إلى جانب دور الهيئة الناظمة في حدود صلاحياتها الرقابية. حيث ترى هذه الأوساط أنه بدلًا من توجيه المشتركين إلى الانتقال إلى الشبكات الشرعية بمبادرة منهم، كما فعل وزير الاتصالات قبل أيام، ينبغي أن تقترن هذه الدعوات بتطبيق فعلي للقواعد التي يفترض أن تضبط السوق، ومحاسبة الجهات المخالفة، ومعالجة الأسباب التي تسمح باستمرارها.

بحسب رأي الخبير في الاتصالات، يعطي “تقييم الأصول في ظل الواقع الحالي صورة ناقصة عن قيمته الفعلية، فيما يفترض أن يكون الإصلاح هو المدخل إلى تعظيم هذه القيمة”. بينما السؤال الجوهري المطروح برأيه هو “ما إذا كانت الدولة مستعدة فعلًا لمعالجة أسباب تراجع قيمة القطاع قبل الانتقال إلى تغيير طريقة إدارته، وما الذي فعلته لاستعادة السوق التي تخسرها المؤسسة، وتعزيز قدرتها التشغيلية، ورفع إيراداتها قبل الحكم على قيمتها؟”

دور الهيئة الناظمة للاتصالات

تزداد أهمية هذا التساؤلات، وفقًا للمعنيين، إذا كان التوجه النهائي هو الانتقال إلى نموذج جديد لإدارة القطاع، أو إلى “ليبان تيليكوم”. فالمؤسسة التي تدخل مرحلة جديدة وهي تعاني ضعف الحصة السوقية، وتراجع الاستثمار، واستمرار السوق الموازية، لن تكون في الموقع نفسه الذي يمكن أن تبلغه بعد إصلاح هذه الاختلالات.

وفي هذا السياق، تبرز أيضًا مسألة الهيئة الناظمة للاتصالات، سواء لجهة دورها في المسار المتعلق بإعداد دفاتر شروط وعقود إدارة وتشغيل شركتي الخلوي، وما أُثير بشأن مدى توافق هذا الدور مع صلاحياتها القانونية، أو لجهة فعالية حضورها في تنظيم السوق ومتابعة تطبيق القواعد الناظمة لها ومكافحة الإنترنت غير الشرعي. علمًا أن “المدن” حاولت نقل هذه الملاحظات الى رئيسة الهيئة الناظمة جيني جميل، ولكنها ووجهت بامتناع الهيئة عن الادلاء بأي تصريح، وفقًا لما قالته الجميل.

الإصلاح قبل التقييم

في المحصلة، ترى أوساط المتابعين لملف الاتصالات “أنه لا يمكن للدولة أن تتعامل مع قراراتها بمعزل في شكل منفصل. فلا يمكنها أن تفتح ملفات الهدر في الشركتين، وتمضي في الوقت عينه في تغيير جوهري في إدارتها من دون تفسير كافٍ للتوقيت، ولا أن تقيّم أصول القطاع وموجوداته في أصعب الظروف التي يمر بها القطاع، سواء بسبب الحرب أو نتيجة ضعف الاستثمار في تطويره، واستمرار السوق غير الشرعية، ومواطن الخلل في الرقابة التي تسهم في الحد من قدرته على النمو وتوليد الإيرادات.

ومن هنا يرى هؤلاء أن المطلوب قبل التقييم هو الإصلاح. والإصلاح هنا لا يقاس بتغيير المشغّل، ولا تلزيم الإدارة، ولا تقييم الأصول في حد ذاته، بل بجعل القطاع أكثر كفاءة وقدرة على ضخ الإيرادات في الخزينة العامة، سواء من خلال ضبط إنفاقه، واستعادة السوق التي يخسرها، وتحسين مستوى الخدمات المطلوبة منه، وضخ الاستثمارات اللازمة لاستمرارها في المنافسة، أو بالنسبة إلى تحديد المسؤوليات عن الخلل فيه ومعالجتها. عندها فقط يصبح الانتقال إلى نموذج جديد للإدارة خيارًا يمكن تقييمه على أساس المصلحة العامة، لا خطوة تسبق معالجة الأسباب التي تحدّ من قيمة القطاع وقدرته على النمو.

المصدر: لوسي بارسخيان – المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |