المجالس التحكيمية التربوية تدخل الخدمة بعد 30 عاماً

بعد طول انتظار، بدأت المجالس التحكيمية التربوية العمل فعلياً في عدد من المناطق، بعدما بقيت سنوات خارج الخدمة، رغم أن إنشاءها منصوص عليه منذ عام 1996. فقد نص القانون الرقم 515، الصادر في 6 حزيران 1996، والمتعلق بتنظيم الموازنة المدرسية ووضع أصول تحديد الأقساط المدرسية في المدارس الخاصة غير المجانية، على إنشاء مجلس تحكيمي خاص في كل منطقة تربوية للنظر في المخالفات والنزاعات الناشئة عن تطبيق أحكامه. لكن النص القانوني لم يتحول سريعاً إلى مرجعية تحكيمية فاعلة. ففي عام 2018، صدر المرسوم الرقم 3103 لتعيين القضاة رؤساء للمجالس، إلا أن تشكيلها لم يُستكمل، وبقيت عاجزة عن ممارسة دورها فعلياً. وحتى عام 2021، ظل استكمال تشكيلها مطلباً قائماً، فيما كانت النزاعات بين الأهالي والمدارس حول الأقساط والموازنات تُعالج، بحسب كل حالة، إما بالتسويات المباشرة أو باللجوء إلى القضاء.
ففي بعض الحالات، كان الأهل يقبلون بالأمر الواقع تجنباً لمواجهة مباشرة مع المدرسة، ولا سيما عندما يكون وضع التلميذ لا يحتمل الانتظار. وفي حالات أخرى، كان اللجوء إلى القضاء أحد المسارات المتاحة، بما في ذلك قضاء الأمور المستعجلة عندما يكون المطلوب اتخاذ تدبير سريع لمنع ضرر أو حماية حق إلى حين حسم النزاع أمام المرجع المختص. وشهدت السنوات الماضية دعاوى من هذا النوع على خلفية زيادات الأقساط وإجراءات اتخذتها مدارس بحق تلامذة وذويهم. وفي 14 كانون الثاني 2026، صدر المرسوم الرقم 2290 بتعيين القضاة والأعضاء لتشكيل المجالس التحكيمية الخاصة في المناطق التربوية، ونُشر في الجريدة الرسمية في 22 كانون الثاني. وبعد نحو سبعة أشهر، صدر المرسوم الرقم 3650 في 13 آب 2026، معدّلاً المرسوم الرقم 2290 لجهة استبدال ممثلي الأهل في الجنوب وجبل لبنان.
على الأرض، بدأت المجالس فعلياً عقد جلساتها، فيما تستقبل المناطق التربوية المراجعات يومياً. وتركّز جزء من هذه المراجعات، خلال الفترة الماضية، على إصدار الإفادات لتلامذة ينتقلون من المدارس الخاصة إلى المدارس الرسمية.
وتختلف وتيرة العمل بين منطقة وأخرى، فيما لا يزال لجوء الأهالي إلى المجالس محدوداً نسبياً. ويشجّع ممثلو لجان الأهل أصحاب النزاعات الفعلية مع المدارس على تقديم مراجعاتهم إلى المجلس المختص، ولا سيما تلك المتصلة بالأقساط والموازنات أو بالإجراءات المتخذة بحق أبنائهم.
ويمنح القانون المجالس صلاحية النظر في المخالفات لأحكامه، والنزاعات الناشئة عن تطبيقها، ومراجعات أولياء التلامذة المتعلقة ببعض التدابير التي تتخذها إدارات المدارس بحق أبنائهم، فضلاً عن مراجعات إدارات المدارس في مواجهة أولياء التلامذة الممتنعين عن تسديد الأقساط. وكان ملف الإفادات من أولى المسائل التي دخلت عملياً في صلب عمل المجالس. فعند انتقال تلميذ من مدرسة خاصة إلى مدرسة رسمية، مع وجود متوجبات مالية على عائلته، تمرّ معاملته عبر المجلس المختص، بما يحفظ حق المدرسة في مستحقاتها، من دون أن يتحول النزاع المالي إلى عائق أمام انتقال التلميذ إلى التعليم الرسمي.
النزاعات المالية في الواجهة
لكن الاختبار الأهم لدور هذه المجالس يبقى في النزاعات حول الموازنات والأقساط، وهي النزاعات التي كان الأهالي يواجهونها سابقاً بالتفاوض مع إدارات المدارس، أو القبول بما تقرره، أو اللجوء إلى القضاء.
وفي هذا السياق، أظهر قرار قضائي صدر في نيسان الماضي أن قضاء الأمور المستعجلة يستطيع اتخاذ تدبير مؤقت عند توافر شروط العجلة، حتى مع وجود اختصاص للمجلس التحكيمي في أصل النزاع. وهذا يعني أن بدء عمل المجالس لا يلغي تلقائياً سائر المسارات القضائية، ولا سيما عندما تفرض طبيعة النزاع اتخاذ إجراء سريع لحماية حق أو منع ضرر إلى حين صدور القرار في الأساس.
وهنا يُفترض أن تبدأ المجالس، بحسب مصادر متابعة، في سدّ فجوة استمرت سنوات، لا أن تتحول إلى محطة إضافية في النزاع. فالغرض من إنشائها هو أن تكون المرجع المتخصص للنظر في النزاعات التي يحددها القانون الرقم 515، بما يتيح للأهل والمدارس الاحتكام إلى جهة واضحة ومحددة، بدلاً من بقاء الخلاف مفتوحاً بين الطرفين أو اضطرار كل منهما إلى البحث، في كل مرة، عن مسار قضائي بديل.
ولا تتطابق التقديرات حول حجم المراجعات التي قد تصل إلى المجالس في المرحلة المقبلة. فممثلو الأهالي يتوقعون ارتفاع عددها مع إعداد الموازنات المدرسية، التي يفترض تسليمها في حد أقصى في 31 كانون الثاني، ولا سيما في ظل استمرار الخلافات حول الأقساط والزيادات. في المقابل، يستبعد الأمين العام للمدارس الكاثوليكية يوسف نصر حصول موجة عامة من النزاعات، مشيراً إلى أن معظم المدارس أبقت أقساطها عند مستويات العام الماضي، فيما سجلت زيادات في بعض الحالات.
وبحسب نصر، فإن بعض المدارس التي لم تكن قد رفعت أجور المعلمين سابقاً، أو التي لم تتجاوز زياداتها 50 في المئة، قد تلجأ إلى زيادات جديدة بالتنسيق مع لجان الأهل، بهدف تأمين الحد الأدنى من القدرة على الاستمرار في تشغيل المدرسة. فيما شهدت الأشهر الماضية اعتراضات من لجان أهل على زيادات في الأقساط، وتحدثت معطيات وتقارير عن زيادات تراوحت في عدد من المدارس بين 15 و30 في المئة.
ولا يقتصر دور المجلس التحكيمي، بحسب نصر، على النزاعات المالية. ففي الانتقال من مدرسة خاصة إلى أخرى، «لا يمكن للتلميذ الانتقال قبل تسديد كامل المستحقات للمدرسة الأولى. أما في الانتقال من التعليم الخاص إلى الرسمي، فقد حلّ اللجوء إلى المجلس هذه المرة محل الآلية التي كانت تعتمد سابقاً على تعاميم أو مذكرات تصدرها وزارة التربية لتسهيل انتقال التلامذة الذين تترتب على عائلاتهم متوجبات للمدارس الخاصة».
ويؤكد نصر أن المجلس التحكيمي في جبل لبنان بدأ العمل منذ نحو سبعة أشهر، وأن الملفات تُراجع تباعاً ويجري البحث عن حلول لها، فيما تصدر المجالس قرارات في القضايا المعروضة أمامها.
لكن الاختبار الفعلي لهذه المجالس سيأتي مع إعداد الموازنات المدرسية في الأشهر المقبلة. عندها، يفترض أن تنتقل من معالجة مسائل إجرائية، من بينها الإفادات، إلى جوهر المهمة التي أنشئت من أجلها: النظر في الموازنات والأقساط وحسم النزاعات بين المدارس والأهالي.
المصدر: فاتن الحاج – الاخبار




