
ميرنا صابر – خاص breaking news leb
في الأعوام الأخيرة تمدّدت ظاهرة التسوّل من كونها مشهدًا اجتماعيًا إلى خطرٍ أمنيٍ على الطرق، وخصوصًا عند إشارات الجديدة–سدّ البوشرية، حيث تُفرض “خدمات“ تنظيف الزجاج على السائقين وتتحوّل إلى ابتزاز مباشر عند الرفض. المؤشرات الميدانية تُظهر أن الظاهرة تضاعفت مع الانهيار الاقتصادي، وهو ما وثّقته تقارير صحافية منذ 2021 بالإشارة إلى تضاعف التسوّل في لبنان بالتوازي مع تعمّق الفقر والعوز، ما فتح الباب أمام شبكات منظّمة تستغل القاصرين والنساء على حدّ سواء.
هذه الممارسات لم تعد مجرّد حالات فرديّة، بل باتت منظّمة في بعض النقاط، ما يثير تساؤلات جدّية حول من يقف خلف هؤلاء، ومن يحميهم، وكيف تُدار هذه الشبكات. كثير من السائقين يروون قصصاً متشابهة: مجموعات تتناوب على الإشارات، تتحرك وفق أوقات محددة، وتنسق في ما بينها وكأنها تعمل ضمن منظومة لها مرجعية واحدة. هذا التنظيم يطرح شبهة وجود جهات تستغل أطفالاً وقاصرين وحتّى شبّاناً عاطلين عن العمل، لتأمين مداخيل غير شرعية، فيما يُترك المواطن فريسة الابتزاز وسط غياب تام للرقابة.
الأخطر أنّ الظاهرة تحوّلت من فعل تسوّل عابر إلى أداة تهديد مبطن. فالسائق الذي يخشى على سيارته أو على عائلته لا يجد خياراً سوى الدفع، الأمر الذي يجعل هذه الممارسات أقرب إلى “الخوة” المفروضة، لا إلى طلب مساعدة. ومع استمرار الأزمة الاقتصادية وغياب الحلول الاجتماعية، يتوقع أن تتفاقم الظاهرة أكثر، ما لم تتحرك الأجهزة الأمنية والبلديات لكبحها، ووضع حد للجهات التي تستغل حاجة هؤلاء وتدفعهم إلى الشارع.
تقديرات صحافية عام 2022 تحدّثت عن نحو 15 ألف طفل في الشوارع ضمن اقتصاد تسوّل متنامٍ، رقمٌ ينسجم مع دراسات أمميّة، أظهرت أنّ ما يقارب 43% من الأطفال العاملين في الشارعكانت أنشطتهم تسوّلًا مباشرًا، فيما يتوزّع الباقون على بيعٍ متجوّل وخدمات صغيرة عند الإشارات. هذه الخلفية تُبرز أنّ التسوّل لم يعد فعلًا فرديًا بل سوقًا يُدار ويُموَّل ويُؤطَّر، مع أدوار توزيع ونقاط تمركز ومناوبات يومية.
ومن الناحية القانونية، يُعامل التشريع اللبناني التسوّل كجريمة صريحة بموجب المادة 610 وما يليها من قانون العقوبات، مع تشدد إضافي حين يقترن الأمر باستغلال قاصر ضمن إطار الاتجار بالأشخاص؛ وهو توصيفٌ كرّسته مراجع حقوقيّة وقانونيّة حديثة. ورغم وجود خطط وطنيّة سابقة لـ“إنهاء تسوّل الأطفال في الشوارع“، فإن تفاقم الأزمة الاقتصادية أعاد الظاهرة إلى الواجهة بقوة تفوق قدرة المعالجة المؤسسية.
يبقى السؤال الأساسي: من يقف وراء هذه المجموعات التي تتوزع بشكل ممنهج عند إشارات المرور؟ وهل نحن أمام ظاهرة اجتماعية ناتجة عن الفقر المدقع، أم أمام شبكات منظّمة تحوّل الطرقات إلى مسرح ابتزاز يومي؟ ما هو أكيد أنّ المواطن اللبناني لم يعد يواجه فقط أزمات الكهرباء والدولار والغلاء، بل بات عليه أن يضيف إلى لائحة همومه “قلق التوقف على الإشارة”، حيث قد يتحول انتظار الضوء الأخضر إلى مواجهة مع مجهولين يفرضون خدماتهم بالقوة.
