
ميرنا صابر – Breaking News Leb
لم يعد اللبناني يحتاج إلى صدمة جديدة ليدرك أن ما تبقّى من دولته هشّ. في الساعات الماضية، تصدّر خبر خروج نوح زعيتر من السجن عناوين الصحف والمواقع الإخبارية، بعد صدور أحكام عن المحكمة العسكرية قضت بعقوبات محدودة في عدد من الملفات، مقابل إسقاط ملاحقات أخرى لأسباب قانونية، أبرزها مرور الزمن. خبرٌ قُدِّم كواقعة قضائية، لكنه في وعي اللبنانيين بدا كعلامة إضافية على المسار الذي وصلت إليه العدالة في بلدٍ انهارت فيه العملة، وتآكلت فيه المؤسسات، وتهشّمت فيه الثقة بين المواطن والدولة، جاءت الأحكام الأخيرة بحق نوح زعيتر لتفتح باباً واسعاً على سؤال أعمق من اسم أو قضية: هل ما زال في لبنان شيء اسمه عدالة؟
القرار الذي صدر عن المحكمة العسكرية، وتناقلته الشاشات كخبرٍ عاجل، لم يكن عادياً في وقعه الشعبي. أحكام محدودة زمنياً، ملفات أُقفلت بفعل مرور الزمن، وأخرى أُرجئت إلى جلسات لاحقة. مشهد قانوني قد يبدو إجرائياً في نصوصه، لكنه في وجدان الناس يحمل دلالة مختلفة: إحساس بأن العدالة باتت تُدار بمنطق احتواء الملفات لا حسمها، وبمنطق إدارة التوقيت لا مواجهة الحقيقة.
وفي بلدٍ طبيعي، تُقرأ الأحكام القضائية ضمن سياقها القانوني البحت. أما في لبنان، فكل حكم يتحوّل حكماً سياسياً واجتماعياً، لأن الثقة مفقودة أصلاً. حين يسمع المواطن أن عشرات الملفات سقطت بمرور الزمن، لا يسأل عن المادة القانونية بقدر ما يسأل: لماذا تُرك الزمن يمر؟ من عطّل؟ من أجّل؟ ومن سمح بأن تتحوّل العدالة إلى سباق مع الساعة؟
من هنا، يطرح متابعون للشأن القضائي قراءة تحليلية لا يمكن تجاهلها، خصوصاً أن القرار صدر عن المحكمة العسكرية، المعروفة تاريخياً بكونها من أكثر المحاكم تشدداً في القضاء اللبناني. هذه القراءة لا تتهم ولا تجزم، لكنها تتساءل عمّا إذا كان المسار المعتمد يعكس مقاربة قضائية صِرفة، أم إدارة ملف شديد الحساسية ضمن توازنات سياسية وأمنية دقيقة. فالتجربة اللبنانية أظهرت مراراً أن القضايا التي تتقاطع فيها الجريمة مع الأمن والسياسة نادراً ما تُعالج خارج هذا السياق المركّب.
ويذهب هذا التحليل أبعد، انطلاقاً من معطى عام في ملفات المخدرات الكبرى: أن هذا النوع من القضايا لا يكون فردياً في العادة. فالشبكات الواسعة، بحكم طبيعتها، تنتج معرفة ومعلومات. ومن هنا، يَطرح مراقبون سؤالاً مشروعاً من دون تحويله إلى اتهام: هل يمتلك المتهم معطيات أو تفاصيل قد تُحرج أطرافاً نافذة، أو تكشف تداخلاً معروفاً تاريخياً بين المال غير المشروع وبعض مواقع النفوذ؟ السؤال هنا يُطرح كاحتمال تحليلي بحت، تفرضه طبيعة هذا النوع من الملفات في بلدٍ عانى طويلاً من تداخل السلطات وضعف الفصل بينها.
إلى ذلك، لا يمكن فصل المسار القضائي عن التوقيت السياسي. فالبلاد تقف على أبواب استحقاقات انتخابية حساسة، حيث يصبح لأي ملف ثقيل قابلية للتأثير في المزاج العام، أو لإعادة خلط الأوراق في مناطق معيّنة. بعض القراءات ترى أن تفجير ملفات كبرى في هذا الظرف قد يحمل ارتدادات سياسية غير محسوبة، ما يفتح الباب أمام فرضية إدارة الإيقاع بدل التصعيد، أو احتواء الملف بدل دفعه إلى نهايات قد تُربك المشهد العام. مرة أخرى، هي قراءة تحليلية لا تتجاوز حدود السؤال المشروع.
أما في ما يخص المخدرات نفسها، فالمفارقة الأشد إيلاماً أن النقاش يُختزل غالباً باسم واحد، فيما الواقع أعقد بكثير. فهذه الآفة لم تعد قضية شخص أو توقيف، بل منظومة كاملة: اقتصاد ظلّ، حدود رخوة، شبكات تمويل، طلب اجتماعي متزايد في ظل الفقر والانهيار، وقضاء يُثقل بكثرة الملفات وبطء الإجراءات. لذلك، فإن أي حديث عن حلّ جذري من دون إصلاح قضائي فعلي، ومحاسبة مالية، وسياسات وقاية وعلاج، يبقى أقرب إلى التسكين منه إلى المعالجة.
قضية نوح زعيتر، كما ظهرت اليوم، ليست نهاية ملف ولا بداية حل. هي مرآة لواقعٍ قضائي يعمل تحت ضغط السياسة والزمن والانهيار العام. وهي تذكير بأن أخطر ما يمكن أن يخسره بلدٌ منهار، ليس فقط هيبة مؤسساته، بل شعور الناس بأن القانون ما زال قادراً على أن يكون عادلاً.
وحين ينهار هذا الشعور، لا يعود السؤال: كم شهراً سيقضي هذا أو ذاك في السجن؟ بل يصبح السؤال الأثقل: هل ما زال في لبنان من يُحاسَب فعلاً… أم أن العدالة نفسها باتت تنتظر مرور الزمن؟
