Featuredأخبار محلية

30 ألف نازح خلال 36 ساعة ووحدة الكوارث بلا تمويل وموجة نزوح غير مسبوقة

ميساء عطوي – المدن
على وقع الحرب الإسرائيلية المتجدّدة واتساع رقعة القصف التي تطال قرىً عدّة في جنوب لبنان والبقاع وأحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت، عادت خلية الطوارئ إلى الانعقاد في السراي الحكومي، في اجتماعات مفتوحة لمتابعة التطورات الميدانية وتقييم الاحتياجات الطارئة للمواطنين على مدار الساعة، وذلك في ظل تصعيد أعاد ملف النزوح إلى صدارة المشهد، مع تسجيل موجة تهجير جديدة عقب توالي الغارات وارتفاع حصيلة الضحايا وتفاقم الأضرار في الممتلكات والبنى التحتية.

وفي الميدان، تبدو معاناة الأهالي أكثر قسوة من أي بيان رسمي، عائلات غادرت منازلها على عجل، حاملة ما تيسّر من حاجيات، تاركة خلفها بيوتاً أُقفلت على قلق مفتوح، وفي مراكز الإيواء المؤقتة، تتكدس المخاوف بقدر ما تتكدس الأمتعة، في حين يخيّم الترقب على وجوه الأطفال وكبار السن على حدّ سواء، ويعيش كثيرون حالة من النزوح المجهول المدى، إلى جانب خسائر تشمل مصادر الرزق والاستقرار اليومي.

171 مركز إيواء جاهز للاستقبال

في موازاة المشهد العام الذي عرضته وحدة إدارة الكوارث، التي أشارت إلى فتح 171 مركز إيواء، بينها 92 مركزاً بقدرة استيعابية حالية، وتسجيل 29347 نازحاً داخلياً موزعين على 5459 عائلة، تبدو الضغوط أكثر وضوحاً على المستوى المحلي، فالأعمال العدائية التي بلغت 221 حادثة حتى الآن انعكست موجات نزوح متسارعة، تتابعها الإدارة المركزية على مدار الساعة بالتنسيق مع الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية.

غير أن هذه الأرقام تأخذ بُعداً أكثر واقعية في المناطق الحدودية، حيث كشف المسؤول الإعلامي في وحدة الكوارث بلال أشمر، في حديث خاص إلى “المدن”، عن الأوضاع اللوجستية والإنسانية للنازحين بعد تجدّد القصف الإسرائيلي، موضحاً أن الإدارة تمكنت من توفير الاحتياجات الأساسية عبر ثلاثة مراكز إيواء مؤقتة داخل مدارس تابعة لوزارة التربية في اتحاد قضاء صور، التي كانت تؤوي بعض النازحين من حرب 2024 قبل وصول موجة كبيرة من العائلات خلال اليومين الماضيين.

وحدة الكوارث بلا التمويل

وأضاف أشمر أن عدد النازحين تجاوز 1000 عائلة خلال يومين، وهذا ما أدى إلى استنفاد المخزون الاستراتيجي للمستودعات، خصوصاً في ظل انقطاع الدعم من الجمعيات والمنظمات الدولية مقارنة ببداية 2024. موضحاً أن المساعدات الحالية تقتصر على الفرش والوسائد والأغطية، في حين توقفت الحصص الغذائية والمياه وحفاضات الأطفال والمستلزمات النسائية بسبب نقص التمويل والموارد، وأكد أن التفاوت في حجم المستلزمات بين المناطق يعود إلى طبيعة التعاون مع الجمعيات والمنظمات الدولية وسير عمل الإدارة المحلية، مشدّداً على أن هذه المرة سجلت نسبة تهجير غير مسبوقة، داعياً الجمعيات التي كانت تتعاون مع وحدة الكوارث سابقاً إلى العودة لتقديم الدعم العاجل للنازحين والمناطق المتضررة.

في السياق نفسه، أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أن الحكومة فعّلت خطة الطوارئ، مشيرة إلى وجود 171 مركز إيواء على الصعيد الوطني لاستيعاب النازحين، وتأتي هذه الإحصاءات لتؤكد ما أشار إليه أشمر من حجم النزوح الكبير الذي يطال كل سكان القرى الحدودية تقريباً، حيث بلغت نسبة التهجير نحو 99%، مقارنة بالحروب السابقة التي شهدت نسباً محدودة.

30 ألف نازح خلال 24 ساعة

وفي حديث آخر خاص لـِ “المدن” وصفت مديرة البرامج والشراكات في “مؤسسة عامل” زينة مهنا، الوضع الإنساني بالكارثي، مؤكدة أن وتيرة التصعيد الحالية تُعدّ الأسرع منذ حرب العام 2024، سواء من حيث سرعة النزوح أو حجمه، وخلال أقل من أربع وعشرين ساعة، جرى التداول بتقديرات تتحدث عن نحو 30000 نازح، في حين ذهبت تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى بكثير، في ظل تسارع التطورات واتساع رقعتها.

والطلب على الشقق السكنية وفق مهنا، ارتفع على نحوٍ حاد، وسط مؤشرات احتكار وغياب شبه كامل للجهوزية المسبقة، فالقطاع الإنساني، يواجه فجوة كبيرة بين الاحتياجات المتزايدة والإمكانات المتاحة، خصوصاً أن نسبة تلبية الحاجات في العام 2024 لم تتجاوز 30%، في حين تبدو القدرات الحالية أكثر محدودية مع استمرار شحّ الموارد.

سبب تراجع التمويل

وأوضحت مهنا أن هذا الواقع يرتبط بخروج لبنان من دائرة الأولويات على خريطة الاستجابة الدولية، في مقابل أزمات أخرى تتصدر الاهتمام العالمي مثل أوكرانيا وسوريا ودول أخرى، إضافة إلى قرارات خفض التمويل المرتبط ببرامج الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي قلّص الموارد البشرية وأضعف القدرة التنسيقية وخفّض حجم التمويل مقارنة بفترة حرب العام 2024.

وأضافت أن هناك محاولات لإعادة تنظيم التنسيق عبر مجلس الوزراء ووحدة إدارة الكوارث، إلا أن التحديات الميدانية لا تزال جسيمة، مشيرة إلى نقص الخدمات الأساسية في بعض المدارس التي تؤوي نازحين، من وجبات إفطار وملابس شتوية ومستحقات ضرورية لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب اللوازم الصحية وحفاضات الأطفال.

بين غرف الاجتماعات في السراي وممرّات مراكز الإيواء، تتقاطع القرارات الرسمية مع قلق الناس اليومي على المأوى والعمل والمستقبل، وإلى أن تتّضح وجهة التطوّرات الميدانية، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات شتّى، في الوقت الذي يدفع فيه المدنيون الكلفة الأفدح، بانتظار بارقة أمان تعيدهم إلى بيوتهم وتعيد للمجتمع حدّاً أدنى من الاستقرار، فهل تنجح الجهود السياسية والدبلوماسية في كبح مسار التصعيد قبل أن تتّسع دائرة النزوح وتتعمّق الخسائر أكثر؟

زر الذهاب إلى الأعلى