هل أنهت إسرائيل أهدافها في الضاحية وستنتقل الى بيروت؟

تتسارع وتيرة التطورات الميدانية في لبنان على وقع تصعيد عسكري متدرّج، وسط ترقّب لسيناريوهات قد تُعيد رسم معالم المواجهة في الجنوب والبقاع. يأتي ذلك على وقع ضربات قويّة تطال بين الحين والآخر عمق العاصمة بيروت، ويتوقّع أن تتصاعد وتيرة الاستهدافات خارج الضاحية الجنوبية، إذ إن إسرائيل لا تستثني أي منطقة في لبنان إذا توافر فيها هدف تابع لـ “حزب الله”، سواء كان شخصًا أو مؤسسة، اقتصادية أو مالية أو عسكرية أو أمنية.
لا يمكن الحديث عن مناطق مُحصّنة أو مُستثناة من القصف والعدوان الإسرائيلي، وفق التحليلات العسكرية لمجرى الأمور. وفي هذا الإطار، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد سعيد القزح، “إن توسّع الاستهدافات لتشمل بيروت يُعتبر أمرًا متوقعًا، إذ إن أي هدف مرتبط بحزب الله، أينما وُجد في لبنان، يبقى عرضة للضرب، حتى في المناطق التي قد تُعتبر بعيدة عن بيئة الحزب. وعليه، فإن البنى العسكرية والأمنية، إضافة إلى المؤسسات الاقتصادية والمالية التابعة لحزب الله، تبقى ضمن دائرة الاستهداف في مختلف المناطق اللبنانية”.
يُرجّح القزح أن “تكون الأهداف داخل الضاحية الجنوبية قد تراجعت، نتيجة القصف المكثّف الذي طالها خلال الحروب السابقة والحالية، ما قد يكون دفع “حزب الله” إلى إعادة تنظيم نفسه بشكل مختلف. ويُعتقد أنه انتقل من نمط المراكز الكبيرة إلى العمل ضمن وحدات أصغر، مع نقل بعض مراكزه الحيوية، سواء كانت عملياتية أو مالية أو لوجستية، إلى خارج الضاحية. هذا التحوّل، في حال صحّ، قد يُوسّع نطاق الاستهداف ليشمل مناطق أخرى، بما فيها بيروت ومحيطها، ما يرفع من مستوى المخاطر الأمنية خارج الإطار التقليدي للمواجهة.”
ويرى العميد القزح أن “الوصول إلى تهدئة أو وقف للعمليات العسكرية يبقى مرهونًا بعوامل سياسية أساسية، أبرزها استجابة “حزب الله” لقرارات الدولة اللبنانية، ولا سيما تلك الصادرة في 5 آب و2 آذار، والتي تقضي بحظر أنشطته العسكرية والأمنية، إضافة إلى إعلان واضح بشأن تسليم سلاحه”. إلا أن هذا السيناريو، وفق القزح، “غير متوقع، ما يجعل وقف العمليات في وقت قريب أمرًا مستبعدًا”.
وتيرة العمليات
ويشير إلى أن العمليات العسكرية الحالية مرشّحة للاستمرار بوتيرة منخفضة إلى حين اتضاح مسار الحرب في إيران، إذ إن إسرائيل، في حال تمكنت من تثبيت وضعها هناك، قد تعمد إلى تخصيص قوة جوية كافية لمواكبة أي تقدّم بري، ما يُمهّد لبدء عمليات برية أوسع، تبقى حدودها مفتوحة على احتمالات متعددة.
وفيما يتعلق بهذه العمليات، يطرح القزح عدة سيناريوهات للتوغّل البري، من بينها إقامة منطقة عازلة بعمق نحو 15 كيلومترًا، تمتد على النسق الثاني من خط القمم المشرفة على إسرائيل، بما يوفّر حماية من تهديدات الأسلحة المضادة للدروع. كما يبرز احتمال التقدّم حتى نهر الليطاني، وهو خيار من شأنه الحدّ من المخاطر المباشرة لهذه الأسلحة، إضافة إلى منع أي عمليات عسكرية محتملة عبر الحدود، في ظل هاجس إسرائيلي متزايد من تكرار سيناريوهات هجومية مفاجئة.
توسيع التقدّم البرّي
ويضيف القزح أن “توسيع نطاق التقدّم يرتبط بمستوى التهديد الذي تسعى إسرائيل إلى إزالته، إذ إن إبعاد خطر الصواريخ المتوسطة المدى، التي قد تصل إلى نحو 40 كيلومترًا، قد يستدعي التقدّم حتى منطقة الزهراني. أما في حال السعي إلى تقويض القدرات العسكرية لحزب الله بشكل شبه كامل، فإن ذلك يتطلّب نظريًا الوصول إلى مناطق أبعد، مثل بعلبك، وهو سيناريو يستبعده القزح نظرًا للكلفة البشرية والمادية المرتفعة التي ستترتّب عليه، وعدم استعداد إسرائيل لتحمّلها”.
ميدانيًا، يُتوقع أن تشمل مناطق التصعيد الأساسية جنوب الليطاني، والبقاع الغربي، والبقاع الشمالي، إضافة إلى إقليم التفاح ومنطقتي جزين وجبل الريحان، والتي تُعدّ، وفق التقدير الإسرائيلي، جبهة واحدة نظرًا لاحتضانها منصّات إطلاق الصواريخ ومراكز الإمداد اللوجستي ونقاط انطلاق العمليات. وقد بدأت بالفعل مؤشرات التصعيد في بعض هذه المناطق، من خلال إنذارات وتحذيرات موجّهة للسكان.
أما على صعيد العمليات الجوية، فمن المرجّح تكثيف الغارات على مناطق بعلبك–الهرمل والبقاع الغربي، مع تركيز على استهداف البنية العسكرية والاقتصادية والمالية لحزب الله، في محاولة لإضعاف قدراته الشاملة.
ميزان القوى
وفي تقييمه لميزان القوى، يؤكد القزح “عدم وجود توازن فعلي بين الطرفين، إذ يستطيع حزب الله تنفيذ عمليات محدودة، كحرب الكمائن والاستنزاف، وإلحاق بعض الخسائر بالقوات الإسرائيلية، لكنه لا يملك القدرة على وقف تقدّمها بشكل كامل. وفي المقابل، يعتمد الجيش الإسرائيلي تكتيكات مرنة، من بينها القتال عبر وحدات صغيرة، تبدأ من مستوى سريّة وما فوق، مع اعتماد متزايد على المشاة في المراحل الأولى من التقدّم”.
ويشرح أن “هذا التوجّه يأتي نتيجة التهديد الذي تشكّله الصواريخ المضادة للدروع، مثل “كورنيت” و”ألماس”، والتي يمكنها تعطيل المدرّعات أو تدميرها”. ويُفرّق هنا بين التدمير الكامل، الذي يُخرج الآلية نهائيًا من الخدمة، والتعطيل الجزئي، الذي يتيح إصلاحها وإعادتها إلى المعركة. لذلك، تلجأ القوات الإسرائيلية إلى التقدّم بوحدات راجلة لفتح الطريق وتأمينه، قبل إدخال الآليات المدرعة لاحقًا. كما يشير إلى أن “بعض العمليات النوعية، مثل الكمائن، لا تزال قادرة على إحداث أثر معنوي وميداني، مستشهدًا بعملية استدراج نفذها “حزب الله” منذ أيام أدّت إلى مقتل أربعة جنود إسرائيليين، وهو ما تعتبره إسرائيل حدثًا أمنيًا كبيرًا”.
“ليبانون ديبايت”- سمر يموت





