لواء خاص للجنوب؟!

عاد الحديث في الكواليس السياسية والإعلامية عن احتمال الدفع نحو إنشاء قوة خاصة في جنوب لبنان، أو ما يشبه “لواءً جنوبياً” يتمتع بدعم وتجهيز غربي، بعيداً من نفوذ “حزب الله”، في إطار البحث الدولي عن ترتيبات جديدة للمنطقة الحدودية بعد الحرب.
تبقى المعلومات الرسمية عن هذا الطرح شحيحة جداً، إذ لم يصدر أي موقف لبناني أو أميركي رسمي يتحدث عن مشروع واضح في هذا الاتجاه، كما لم يطرح الأمر ضمن أي خطة معلنة للحكومة اللبنانية أو قيادة الجيش. وكل ما يتم تداوله حتى الآن يستند بصورة أساسية إلى تسريبات وتحليلات إعلامية، أبرزها ما ورد في صحيفة محسوبة على خط “حزب الله”، تحدثت عن توجه أميركي لإنشاء قوة جنوبية خاصة بعيدة عن تأثير الحزب، من دون أن يترافق ذلك مع أي تأكيد رسمي أو تعليق مباشر من الجهات المعنية.
تصوّر أميركي لجنوب مختلف
في الكواليس السياسية والديبلوماسية، يُطرح منذ فترة تصوّر غربي – أميركي تحديداً – يقوم على تعزيز حضور الجيش اللبناني جنوب الليطاني عبر وحدات تُعدّ أكثر تدريباً وتجهيزاً وانضباطاً، وتكون بعيدة عن أي اختراق سياسي أو أمني من الحزب. إلا أن الحديث عن “لواء خاص” بالمعنى الحرفي، أي قوة منفصلة ذات طبيعة خاصة أو عقيدة مختلفة، يبقى حتى الآن ضمن إطار الأفكار غير المعلنة رسمياً، وليس مشروعاً لبنانياً قائماً.
الولايات المتحدة تنظر إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة – نظرياً – على ملء الفراغ الأمني في الجنوب إذا جرى تقليص دور الحزب أو إعادة تنظيم الواقع الحدودي. لذلك ضخّت واشنطن خلال السنوات الأخيرة مساعدات ضخمة للجيش اللبناني، خصوصاً للأفواج الحدودية والوحدات المنتشرة جنوباً. لكن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الأميركيين والإسرائيليين تكمن في أن جزءاً من البيئة الجنوبية متداخل سياسياً واجتماعياً مع “حزب الله”، ما يجعل أي قوة تعمل هناك عرضة لضغوط الواقع المحلي.
من هنا يظهر الكلام على وحدات “موثوق بها غربياً”، أو قوات يجري انتقاؤها بعناية، وتخضع لتدريب وتجهيز مباشر، وتكون مهمتها الأساسية ضبط الحدود ومنع أيّ نشاط مسلح خارج إطار الدولة. بعض الطروحات تتحدث عن توسيع أفواج الحدود البرية، فيما يذهب البعض الآخر أبعد نحو فكرة إنشاء تشكيل جديد كلياً بتمويل خارجي ودعم استخباري وتقني.
عقدة “جيش لبنان الجنوبي”
لكن هذه الفكرة تصطدم بعقبات كبيرة.
أولاً، أي محاولة لإنشاء قوة ينظر إليها داخلياً على أنها “مواجهة للمقاومة”، ستثير انقساما لبنانيا حاداً، وقد تراها بيئة الحزب محاولة لإعادة إنتاج تجربة “جيش لبنان الجنوبي” المرتبط بإسرائيل خلال فترة الاحتلال، وهي مقارنة شديدة الحساسية في الوعي الجنوبي.
ثانياً، المؤسسة العسكرية اللبنانية نفسها حريصة تقليدياً على رفض أي فرز مذهبي أو سياسي داخل الجيش، لأن ذلك يهدد وحدته. لذلك فإن إنشاء لواء بعقيدة سياسية غير معلنة أو بتركيبة انتقائية قد يُعدّ ضرباً لصورة الجيش كمؤسسة وطنية جامعة.
ثالثاً، الواقع الميداني في الجنوب لا يسمح بسهولة بفصل الأمن عن التوازنات السياسية. حتى قوة “اليونيفيل” العاملة منذ عقود تواجه حدوداً واضحة في الحركة والتأثير، رغم الغطاء الدولي الكبير.
الجنوب بين الضغط والتسوية
في المقابل، هناك من يرى أن ما تريده واشنطن ليس “لواءً انقلابياً” أو قوة تصادمية مع الحزب، بل جيش لبناني أكثر قدرة على الإمساك بالأرض تدريجاً، بحيث تصبح الدولة هي المرجعية الأمنية الوحيدة مع الوقت. وهذا ينسجم مع الطرح الأميركي الدائم حول حصرية السلاح بيد الدولة، من دون الدخول حالياً في مواجهة مباشرة واسعة مع الحزب.
أما إسرائيلياً، فهناك اقتناع متزايد بعد الحرب بأن أيّ ترتيبات مستقبلية في الجنوب يجب أن تتضمن قوة لبنانية فعالة تمنع إعادة تموضع “حزب الله” قرب الحدود، لأن إسرائيل تعتبر أن التجارب منذ عام 2006 فشلت في إبعاد البنية العسكرية للحزب عن الخط الحدودي.
لذلك يمكن القول إن النقاش الحقيقي الدائر ليس فقط حول “لواء خاص”، بل حول شكل الجنوب بعد الحرب: هل يبقى ضمن معادلة التوازن الحالية، أو يتحول تدريجاً إلى منطقة ذات حضور أمني رسمي كثيف برعاية دولية وضغط أميركي؟ إنها مسألة ترتبط مباشرة بمصير التسويات الإقليمية، والعلاقة الأميركية – الإيرانية، ومستقبل “حزب الله” نفسه داخل المعادلة اللبنانية.
اسكندر خشاشو- النهار




