Featuredأخبار محلية

كيف تربح إيران من دون أن تنتصر؟

نداء الوطن – عمر حرفوش

في كل مرة تعلن فيها الولايات المتحدة عن ضربة عسكرية أو عقوبات جديدة أو ضغوط سياسية على إيران، يبدو المشهد وكأن واشنطن تمسك بزمام المبادرة وتفرض إيقاع الأحداث. غير أن الصورة تتغير غالباً عند الانتقال من ساحة المواجهة إلى طاولة المفاوضات، حيث يصبح المشهد أكثر تعقيداً، وتبدو طهران قادرة على استعادة جزء كبير من أوراق القوة التي خسرتها تحت الضغط.

لفهم هذه الظاهرة لا يكفي النظر إلى موازين القوى العسكرية أو الاقتصادية، بل يجب التوقف عند عنصر غالباً ما يتم تجاهله: الثقافة الاستراتيجية الإيرانية الممتدة عبر التاريخ.

عندما واجه ألكسندر المقدوني الإمبراطورية الفارسية بقيادة داريوس الثالث، حقق انتصارات عسكرية مدوية في أكثر من معركة. ومع ذلك، لم تكن تلك الانتصارات كافية لإنهاء الحرب. فقد كان الفرس يدركون أن خسارة معركة لا تعني خسارة الصراع، وأن بقاء القيادة السياسية قادرة على الحركة وإعادة تنظيم الصفوف يعني أن الحرب ما زالت مستمرة.

كان ألكسندر ينتصر في الميدان، لكن داريوس كان يراهن على الزمن، وعلى اتساع الجغرافيا، وعلى قدرة الدولة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج أدوات المواجهة. ولذلك لم يكن سقوط مدينة أو جيش كافياً لإعلان النصر النهائي.

وبعد أكثر من ألفي عام، تبدو هذه الفلسفة حاضرة بأشكال مختلفة في السلوك السياسي الإيراني. فطهران لا تنظر إلى التفاوض بوصفه اعترافاً بالهزيمة، بل تعتبره جزءاً من الصراع نفسه. لذلك نرى أن الضغوط التي تمنح خصومها شعوراً بالتفوق قبل المفاوضات لا تؤدي بالضرورة إلى النتائج نفسها داخل غرف التفاوض.

إن أحد الأخطاء المتكررة في التعامل مع إيران هو الاعتقاد بأن المنطق الغربي التقليدي للربح والخسارة يعمل بالكيفية نفسها لدى الطرف الإيراني. ففي حين يبحث كثير من السياسيين عن نتائج سريعة وحاسمة، يجيد الإيرانيون إدارة الوقت واستثماره، ويملكون قدرة استثنائية على تحويل عامل الزمن إلى أداة قوة.

ولعل المفارقة الأهم أن الإمبراطورية الفارسية القديمة كانت تتمحور حول شخص الملك، بينما قامت الجمهورية الإسلامية على مبدأ مختلف يقوم على استمرارية النظام والمؤسسات والعقيدة السياسية. ففي الماضي كان سقوط الملك يعني عملياً سقوط الدولة، أما اليوم فقد بُني النظام بطريقة تسمح له بتجاوز غياب الأشخاص واستبدالهم بسرعة، بحيث لا يرتبط بقاؤه بشخص واحد مهما بلغت أهميته.

لهذا السبب، فإن من يريد فهم السلوك الإيراني لا يكفيه أن يقرأ تقارير الاستخبارات أو بيانات وزارات الخارجية، بل عليه أن يقرأ التاريخ أيضاً. فالأمم لا تتحرك فقط وفق المصالح الآنية، بل وفق تراكم طويل من الخبرات والذاكرة السياسية والثقافة الاستراتيجية.

إن المشكلة ليست في أن إيران أقوى من خصومها، ولا في أنها تملك أوراقاً أكثر منهم، بل في أن كثيرين يدخلون إلى التفاوض معها من دون أن يفهموا طريقة تفكيرها. وهنا يكمن الفرق بين من يربح معركة، ومن يعرف كيف يربح حرباً طويلة.

ففي السياسة كما في الشطرنج، لا يكفي أن تتفوق على خصمك في عدد القطع التي خسرتها أو كسبتها، بل يجب أن تفهم كيف يفكر، وكيف يدير الوقت، ومتى يهاجم، ومتى يتراجع، ولماذا يعتبر بعض التراجعات جزءاً من طريق الوصول إلى الهدف النهائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |