Featuredأخبار محلية

الإقامة الذهبية بين الوقائع والشائعات… من يضلّل اللبنانيين؟

في بلد يرزح تحت واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه، ويعاني من هروب الرساميل والاستثمارات منذ سنوات، يبدو مستغرباً حجم الحملة التي تستهدف مشروع “الإقامة الذهبية”، رغم أن الهدف الأساسي منه يتمثل في استقطاب أموال جديدة من الخارج وإعادة وضع لبنان على خريطة الاستثمار الإقليمي والدولي.

فبعيداً عن الشعارات والاتهامات المتداولة، يكشف النص بوضوح أن المشروع لا يمنح الجنسية اللبنانية، ولا يعدّل قوانين التملك، ولا يتيح اكتساب أي حقوق استثنائية خارج إطار منح إقامة ضريبية خاصة للمستثمر اللبناني غير المقيم أو المستثمر الأجنبي الذي يختار الإقامة والاستثمار في لبنان.

وما يغيب عن كثير من المنتقدين أن المشروع أتى أساساً من الحكومة لتعديل قانون ضريبة الدخل وقانون رسم الانتقال فقط، بهدف منح إقامة ضريبية تفيد المستثمر في البلد الذي ينشط فيه، من دون أن يحصل على أي إعفاء ضريبي داخل لبنان إذا قرر العمل أو الاستثمار فيه. كما أن المشروع لا يمنح أي حق إضافي خارج إطار الإقامة الضريبية، ولا يمسّ بقوانين الجنسية أو الملكية النافذة.

وانطلاقاً من الحرص على المصلحة الوطنية، أدخلت لجنة المال والموازنة برئاسة النائب إبراهيم كنعان تعديلات جوهرية شددت شروط المشروع وضوابطه. فقد أخضعته بالكامل لأحكام قانون تملك الأجانب وشروطه، واشترطت تحويل الأموال من الخارج حصراً مع مراعاة أحكام القانون رقم 44 المتعلق بمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، كما وضعت حداً أدنى للاستثمار لا يقل عن 500 ألف دولار للبناني غير المقيم والأجنبي، مع تمييز لمصلحة اللبناني.

ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، إذ ألزمت اللجنة المستفيد بدفع رسم مقطوع لا يقل عن 50 ألف دولار إضافة إلى قيمة الاستثمار المطلوبة، كما فرضت الرسم نفسه على أفراد العائلة المنتقلين معه إذا أرادوا الاستفادة من النظام الضريبي الخاص. ما يعني أن الاستفادة من القانون لا تتم مجاناً ولا بصورة شكلية، بل ترتبط بإدخال أموال فعلية إلى لبنان وبمساهمات مالية مباشرة للدولة.

وبالتالي، فإن المستفيد من هذا النظام لا يحصل على أي امتياز مجاني، بل يلتزم بإدخال مبالغ كبيرة من الخارج إلى الاقتصاد اللبناني ودفع رسوم مباشرة للخزينة، ما يعزز قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها وتأمين استمرارية مؤسساتها في مرحلة تعاني فيها المالية العامة من اختلالات عميقة.

وفي مواجهة هذه الوقائع، يبرز سؤال مشروع: كيف تحوّل قانون هدفه استقطاب الرساميل إلى مادة لحملات التخويف؟ وكيف جرى تسويق المشروع على أنه باب للتجنيس أو للتفريط بالسيادة فيما لا يتضمن النص أي مادة من هذا النوع؟

ويؤكد داعمو المشروع أن القانون لا يشكل بديلاً عن الإصلاحات المالية والاقتصادية المطلوبة، ولا عن استرداد الودائع وإصلاح المصارف والمالية العامة، لكنه يشكل خطوة ضرورية باتجاه المستقبل ومحاولة للاستفادة من تجارب دول عديدة تعتمد أنظمة مماثلة لجذب المستثمرين والكفاءات ورؤوس الأموال.

ويعتبر هؤلاء أن جزءاً كبيراً من الحملة القائمة يكشف أن كثيرين لم يقرأوا النص أصلاً، بل بنوا مواقفهم على معلومات غير دقيقة أو استنتاجات لا علاقة لها بمضمون المشروع. فالنقاش المسؤول لا يكون عبر إطلاق الشعارات أو إثارة الهواجس، بل من خلال قراءة القانون وتقييم نتائجه الفعلية على الاقتصاد اللبناني.

وفي وقت يحتاج لبنان إلى كل فرصة ممكنة لاستعادة الثقة وجذب الاستثمارات، تبدو الحاجة ملحة إلى نقاش هادئ وموضوعي بعيداً من المزايدات، لأن رفض المبادرات قبل الاطلاع عليها لا يصنع حلولاً، فيما الاستثمار والإنتاج واستقطاب الرساميل تبقى من بين المفاتيح الأساسية لأي نهوض اقتصادي مرتقب. فلبنان الذي يحتاج إلى تدفقات مالية جديدة وفرص عمل واستثمارات طويلة الأمد، لا يمكنه أن يغلق أبوابه أمام مشاريع مماثلة بسبب حملات تقوم على الانطباعات أكثر مما تقوم على الوقائع. والقاعدة البديهية تبقى أن أي قانون يُناقش ويُقيَّم على أساس نصوصه ومفاعيله، لا على أساس الشائعات التي تُنسج حوله.

المصدر: ليبانون ديبايت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |