Featuredأخبار محلية

لماذا ترفض واشنطن التمديد لليونيفيل في لبنان؟

يتمسّك رئيس الجمهورية جوزاف عون بالتمديد لقوات “اليونيفيل” في جنوب لبنان، ولا يزال يعتبره الخيار الأول، فيما ترفض واشنطن وإسرائيل هذا الأمر رفضًا مطلقًا، رغم أن هذه القوات تقوم بمهامها منذ العام 1978. لكنها متّهمة من أطراف الصراع بعدم النجاح في تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701، الذي اعتُمد قبل 20 عامًا، وينصّ على نحو صريح على نزع سلاح “حزب الله” في الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

لكن مسؤولي قوات “اليونيفيل” غالبًا ما أكّدوا أن لا صلاحيات لديهم لفرض القرار 1701 بالقوة على أيّ من جانبي الحدود. فقد اعتمدت ولاية “اليونيفيل” أساسًا على المراقبة والإبلاغ والتنسيق ومساعدة القوات المسلحة اللبنانية. وبالتالي، فإن توقّع قيام “اليونيفيل” بنزع سلاح «الحزب» بالقوة، أو إجبار إسرائيل على الانسحاب أو وقف الانتهاكات، يتجاوز صلاحيات الإنفاذ الممنوحة لها فعليًا، وهذا ما يردّده القيّمون عليها دائمًا.

إسرائيل: اليونيفيل لزوم ما لا يلزم

وتشير المعلومات الواردة من واشنطن إلى أن إسرائيل قدّمت مبررات مقنعة للإدارة الأميركية، مفادها أن وجود هذه القوات التابعة للأمم المتحدة بات لزوم ما لا يلزم، مؤكّدة ضعف فعاليتها العملياتية، ومعتبرة أنها كانت شاهد زور على إعادة تسلّح “الحزب” منذ العام 2006، ولم تبادر، على الأقل، إلى رفع الصوت لكشف عمليات حفر الأنفاق وزرع منصات إطلاق الصواريخ، بل بقيت متفرّجة طوال هذه الفترة.

وتكشف مصادر مقرّبة من الإدارة الأميركية أن الهدف من وجود “اليونيفيل” كان مساعدة الحكومة اللبنانية على إبقاء الجنوب خاليًا من أسلحة الميليشيات، لكنها فشلت في تحقيق مهمتها. فقد خضعت بسهولة لترهيب “الحزب”، وأدّى خوفها من الاشتباك معه إلى إعاقة تحركاتها والحدّ من قدرتها على تحقيق هذا الهدف.

وتسأل المصادر: كيف لقوات تضمّ 15 ألف جندي لحفظ السلام أن تسمح لـ”الحزب” ببناء بنيته التحتية العسكرية في المنطقة الحدودية؟ وتضيف:”أنشأ مدارج للطائرات المسيّرة، وأبراج مراقبة، وشبكات أنفاق معقّدة، وبات معروفًا أن اليونيفيل غضّت الطرف إلى حدّ كبير، متساهلة مع قواعد اشتباك “الحزب” على حساب قواعدها الخاصة.

ومع اتساع نطاق نفوذ الميليشيا التابعة لإيران، تضاءلت مصداقية اليونيفيل. وتدهور الوضع بشدة إلى درجة أن لبنان وإسرائيل دخلا في حرب بعد يوم واحد فقط من هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول 2023. وعلى عكس العام 2006، عندما كانت اليونيفيل ركيزة أساسية في خطة ما بعد الحرب للبنان، تلاشت أهميتها تقريبًا بحلول وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024″.

وتكشف المصادر أن ما أغضب إسرائيل أكثر هو أن “الحزب” أنشأ شبكات أنفاق وجمع ترسانة ضخمة من الأسلحة أمام أنظار “اليونيفيل”، لذلك فقدت مصداقيتها ليس فقط لدى الحكومة الإسرائيلية، بل لدى اللبنانيين أنفسهم أيضًا.

التواطؤ مع الجيش؟

وما قدّمته إسرائيل إلى واشنطن يتجاوز الاتهام بالاكتفاء بالمراقبة من دون أي ردّة فعل، ليصل إلى حدّ اتهامها “بالتواطؤ مع الجيش اللبناني ليكونا واجهة للحزب”، إذ لم يكتفيا، وفق الطرح الإسرائيلي، بالتغاضي عن أنشطته، إنما تواطآ أيضًا معه وسمحا له بالعمل وبناء الأنفاق وتخزين الأسلحة في منطقة عملياتهما.

وتلفت المصادر الأميركية إلى أن تقارير “اليونيفيل” كانت، في جوهرها، مضلِّلة، وأنها افتقرت إلى المخالب التي كان يمكن أن يضمنها لها العمل بموجب الفصل السابع، الذي يُجيز استخدام القوة القسرية لإنفاذ قرارات مجلس الأمن، في حين أن الفصل السادس لا يتضمّن عمومًا مثل هذه الصلاحيات التنفيذية. وقد تجلّى ذلك في القرار 1701، الذي حصر ولاية “اليونيفيل” بمرافقة الجيش اللبناني ودعمه ومساعدته، من دون أن يُخوّلها صراحةً اتخاذ إجراءات أحادية.

واشنطن لا تكترث لمطالب عون

وتؤكّد المعطيات الواردة من واشنطن أن الإدارة الأميركية لا تكترث لمطالب عون وحكومته بالتمديد لـ”اليونيفيل”، بل هي ترفض بشكل قاطع البيئة الأمنية الهجينة التي سمحت لـ”حزب الله” بالازدهار في ظل ولاية “اليونيفيل” المحدودة. وتسأل عن فعالية هذه القوات، معتبرة أن لا حاجة إلى وجود دولي يقتصر دوره على أن يكون “شاهدًا لا يرى شيئًا”، بل ثمة حاجة إلى ضمانات دولية ملموسة لدعم تنفيذ أي اتفاق مستقبلي.

وعلمًا أنه، وفق اتفاق الإطار، لا تضطلع “اليونيفيل” بأي دور في المناطق التجريبية، وهو ما يعكس، وفق المصادر، ضغوطًا إسرائيلية وأميركية لاستبعادها. وتشير المصادر إلى أن واشنطن تريد أن يكون أمن الجنوب، وكل الأراضي اللبنانية، بقيادة الجيش اللبناني، مع وجود دول يُتّفق على هويتها بين الأطراف المعنية باتفاق الإطار، لتكون مولجة بآلية مراقبة المناطق التجريبية وعمل الجيش اللبناني فيها، الهادف إلى نزع سلاح “الحزب” وتفكيك بنيته العسكرية والتأكّد من انسحاب إسرائيل منها.
ومع انتهاء الولاية الأخيرة لـ”اليونيفيل” بنهاية هذه السنة، لن تكون هناك فجوة أمنية، بحسب المصادر الأميركية، التي تطمئن إلى أن البدائل ستكون مؤلّفة من الجيش اللبناني ودول تعمل بموجب اتفاق الإطار، يُتّفق عليها في إطار المفاوضات الجارية في روما. وتتصدر إيطاليا وبريطانيا وسويسرا قائمة الدول المرشّحة، شريطة أن تكون فعّالة في أداء مهمتها.

أما عندما تكون هذه القوات غير فعّالة، كما هو الحال مع قوات “اليونيفيل”، فباتت هناك قناعة أميركية بأن “الحزب” يستفيد فعليًا من وجودها، إذ تصبح درعًا بشريًا في وجه أي عمل إسرائيلي فعّال، ومصدرًا للمزايا الاقتصادية. وهذا ما لن تسمح به تل أبيب وواشنطن هذه المرة.

آلية مراقبة تختارها واشنطن

إذًا، تقوم المعادلة الأميركية لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل” على تعزيز الجيش اللبناني لكي يُرسي سيادة الدولة ويحتكر السلاح، بالتوازي مع وجود آلية مراقبة تشارك فيها دول تختارها الولايات المتحدة بعد التشاور مع لبنان وإسرائيل. وهذا أمر بالغ الأهمية، سيُبحث في جولة المفاوضات الثامنة مطلع أيلول المقبل. وسيكون الهدف إيجاد منصة فاعلة، بإشراف الدول المحددة، للتواصل والتنسيق وتبادل المعلومات بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني، بهدف تجنّب تضارب العمليات وتعزيز عملية نزع السلاح في جنوب لبنان.

وتختم المصادر الأميركية بالتأكيد أن واشنطن تولي أهمية كبيرة لمرحلة ما بعد “اليونيفيل”، من خلال التنسيق الفعلي بين إسرائيل ولبنان ومنع تضارب العمليات بينهما. وهي في وضع يسمح لها بدمج وتنسيق عمل أي أطراف إضافية ستشارك في لبنان ما بعد “اليونيفيل”، بما في ذلك الجهات الأوروبية والإقليمية.

وسيمتد ذلك إلى دعوة الدول والمنظمات المانحة إلى المشاركة في تدريب الجيش اللبناني، والمساعدة في مهمات محددة تتعلق بالهندسة ونزع السلاح واللوجستيات والمساعدات الإنسانية والعمليات الجوية، وإذا لزم الأمر، مهمات المراقبة. ولا شيء مستبعد مع تقدّم المفاوضات الدبلوماسية نحو السلام، إذ قد تستلهم واشنطن نموذج القوة متعددة الجنسيات والمراقبين في شبه جزيرة سيناء، وهي قوة أسهمت في دعم معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية منذ العام 1982

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |