المسيحيون لـ”الممانعة”: لولانا لما كنتم… ومصيركم “نهر الكلب”

طوني عطية – نداء الوطن
لم تكن رسالة نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى مسيحيي لبنان، ولا كان ردّه على الرسالة التي وجّهها إليه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، مجرّد “طفرة إيمانية” أو تعبيرًا عن تلاطف مسيحي، بل شكّلا مؤشّرًا إلى لحظة سياسية تنصف فيها مجريات الأحداث تاريخ المسيحيين ونضالهم الطويل من أجل لبنان.
لذلك، لا يجوز لهم أن يستسلموا اليوم لشعور الضعف، أو أن يتحوّلوا إلى جوقة ندب تستحضر الهزيمة وتروّج لليأس، فيما تتهاوى أمامهم المشاريع التي حاصرت دورهم وهدّدت وجودهم، وتثبت الوقائع من جديد أن ما ناضلوا في سبيله لم يكن معركة خاسرة. فالتاريخ ومسار الأحداث الراهنة ينصفان رؤيتهم للبنان، ويؤكدان أن حضورهم لا يُقاس بالعدد وحده، وإن كان هذا المعيار لا يجوز إسقاطه من حسابات الحاضر والمستقبل، ولا تجاهل ضرورة صون هذا الحضور من خلال صيغة سياسية متقدّمة و”عالية الجودة”، كالفدرالية أو أي نظام يراعي التعدّدية على نحو كامل.
احتلال مقنّع بثياب الحملان
من هنا، كلّما دنا مشروع “حزب اللّه” العقائدي – العدائي للبنان من نهايته الحتمية، ليلتحق بآثار من سبقوه على صخور “نهر الكلب”، يستدعي عُقده التاريخية والنفسيّة ليقذفها في ميزان الديموغرافيا. فيواجه المسيحيين بتهديد الانقراض، وتتحوّل منابره وأبواقه وأقلامه إلى “عدّادات” تختزل حقوق الجماعات ودورها السياسي في منطق “بهيمي”، لا يرى فيها إلا قطيعًا تحدّده لغة الأرقام.
ولا تزال عبارة السيّد حسن نصراللّه حين قال في خطاب شهير إن “هذه مناطق المسلمين وقد جاءها المسيحيون غزاة”، هي القاعدة الأساسية التي تحكم غريزة “الممانعين”، وإن أخفوها في بطون التقية. لأن المسيحيين في حضورهم ودورهم التاريخي يشكلون “حصرمة” وشوكة في عين كل مشروع أحادي يضيق بآفاق التعدّدية والحرية.
وفي كلّ مرة يستحضر فيها هؤلاء “فزاعة” الديموغرافيا، تنكشف عورة الخطيئة التي ارتكبها بعض “الذميين”؛ الذين انطلت عليهم أكذوبة “لبنانية الحزب” وزيف شعاراته الوطنية، فراهنوا على “مقاومة” ليست في الحقيقة إلّا احتلالًا مقنّعًا هو أخطر ما مرّ على لبنان، كون ينطبق عليه، تحذير السيّد المسيح: “احترزوا… يأتونكم بثياب الحملان”.
إزاء هذا الخبث الممنهج، المغلّف بلغة الأرقام وتقارير مراكز الأبحاث والإحصاءات، فات هؤلاء أن سرّ القوّة الذي مكّن المسيحيين من اجتراح معجزة الصمود طوال واحد وعشرين قرنًا، لم يكن يومًا رهن “العَدّ” أو “العَديد”. فهم لم يرتكزوا في وجودهم على منطق الأكثريات في هذا المحيط الواسع، بل ثبتوا في أصعب المحطات وأحلك الأزمنة حين تقلّصت جغرافيتهم إلى أصغر من “لبنان الصغير” أو جبل لبنان؛ يومها ظنّ أهل الشرق كما الغرب، أن أثرهم قد مُحي، فإذ بهم ينهضون من قلب المغاور والكهوف ليؤكدوا أن الدور لا يُقاس بالحجم، بل بعمق الجذور.
ومع تقاطع المصالح الدولية عقب الحرب العالمية الأولى، اقتنص المسيحيون استقلال لبنان، لا كامتياز فئوي، بل كمشروع احتضان للجميع. وفي هذا السياق، يشير الدكتور عماد مراد، المحاضر في الجامعة اللبنانية والمتخصّص في التاريخ السياسي، إلى أن الموارنة حين أداروا الدولة الحديثة الناشئة عام 1920، لم يستقووا بوزنهم الديموغرافي، رغم تشكيلهم آنذاك 52 % من السكان، بل استندوا إلى إرثهم الثقافي العريق.
تجلّت قوّتهم في الريادة داخل المدرسة والجامعة والمستشفى والمصنع والمصرف؛ وهو إبداع وُلد من رحم صمود تاريخي، وبما أنهم “أبناء حرية” والحرية تفترض وجود الآخر، وضعوا مؤسّساتهم في خدمة اللبنانيين كافة. لم يبخلوا فيها حتى على الطامعين. فكم من مسؤول وسياسي “ممانع” نهل من مدارسهم وتلقى العناية في مستشفياتهم وتنعّم بترف عصرهم الذهبي، ثمّ انقلب عليهم؟ ورغم كلّ هذا، لم يغلق المسيحيون أبوابهم يومًا؛ فالمؤمن بالحرية لا يحترف الإقصاء، حتى وهو في قمّة الاضطهاد أو الوجع.
ويضيف مراد أنه في زمن “المارونية السياسية”، التي بات يترحّم على أمجادها اليوم مَن ناصبها العداء وحاربها بالأمس، عمد المسيحيون وهم في عز قوتهم إلى إرساء مصالح حيوية للمسلمين، سعيًا لإشراكهم في بناء الوطن، رغم استنكافهم عن فكرة “لبنان” في تلك الحقبة. لقد كان فعلًا تأسيسيًا أراد استيعاب الجميع تحت سقف الدولة.
وتجسّدت هذه الذهنية الانفتاحية المؤمنة عن حق، وليس عن تقية، في إرساء الإنماء المتوازن، فكانت مهرجانات بعلبك وصور في قلب البيئة الشيعية والسنية، وسدّ القرعون، وشبكات الطرق التي ربطت الأطراف بالمركز، وصولا إلى تعميم المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية. ولعلّ أسطع دليل على فرادة “المارونية السياسية” في استثمار قوّتها من أجل حماية التعدّدية وإشراك المكوّنات في صياغة الحياة اللبنانية، كان مأسسة الحضور الشيعي عبر إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؛ فبينما كان الشيعة في سائر الدول العربية والإسلامية ملحقين بدار الإفتاء، كان لبنان الدولة يمنحهم استقلاليتهم في إدارة شؤونهم وخصوصياتهم الدينية والثقافية.
في ذروة قوّتهم: شراكة لا استقواء
وبالعودة إلى أبرز جذور الكيان/ الدولة في عهد المتصرفية، نجد أن أوّل مجلس إدارة لجبل لبنان قد شُكِّل من الطوائف الست الأساسية بتمثيل متساوٍ (عضوان لكلّ طائفة)، رغم أن الموارنة كانوا يشكّلون آنذاك الأغلبية الساحقة، لم يستقووا بالعدد، بل آثروا التوازن الوطني كقاعدة للحكم. غير أن هذا النظام الذي دام ثلاث سنوات (1861 – 1864)، عُدّل بتدخلٍ عثماني؛ إذ عمد المتصرّف داوود باشا إلى تعديل “البروتوكول” أو نظام المتصرفية، بهدف احتواء وهج يوسف بك كرم ونزعته الاستقلالية التامة عن السلطنة، فمنح الموارنة أربعة أعضاء، الدروز 3، الأرثوذكس 2، السنّة 1، الشيعة 1 والكاثوليك 1.
وفي عهد الانتداب الفرنسي، حين كان الموارنة في ذروة قوّتهم السياسية والديموغرافية، ومدعومين من فرنسا، وكان في طليعة قيادتهم الرئيس إميل إده، وهو شخصية مميّزة ومحترمة ولها حضور كاريزماتيكي في المجتمع، لم يقبل حينها إلّا أن يحضن كلّ المناطق ولا سيّما طرابلس حيث كانت تموج بالفكر العروبي، وعيّن منها عبد العزيز الأحدب رئيسًا للوزراء.
وفي سياق متصل، يضيء الدكتور مراد على حقيقة تاريخية يغفلها الكثيرون؛ فلولا نضال البطريرك الماروني إلياس الحويك في استعادة “الأقضية المسلوخة”، لكان الشيعة اليوم شتاتًا يذوب في كيانات إقليمية كبرى (سورية أو فلسطينية)، حيث كانوا سيُعاملون كـ “رعايا” أو مواطنين من الدرجة الثانية. لكن لبنان الوطن المستقل الذي يرذله “ممانعو اليوم”، أعطى الشيعة المركز الثاني في الدولة ومنحهم الحق كمواطنين أصلاء شركاء في الإدارة والقرار.




