هل تتدخّل دمشق ضدّ حزب الله؟

لم يُخفِ الرئيس الأميركيّ حماسته لانخراط دمشق والرئيس السوريّ أحمد الشرع في المواجهة مع “الحزب”، حين قال إنّ “سوريا قد تلعب دوراً في تسهيل تنفيذ ضربات أكثر دقّة ضدّ “الحزب” في لبنان”. وأوضح ترامب، في مقابلة مع شبكة “إن بي سي نيوز”، أنّ الرئيس السوريّ أحمد الشرع “قد يكون مستعدّاً للمساعدة في الجهود الأمنيّة الإقليميّة”، واصفاً إيّاه بأنّه “قائد جيّد جدّاً”، تمكّن خلال فترة قصيرة من اتّخاذ خطوات ساهمت في إعادة الاستقرار إلى سوريا.
يحمل تصريح ترامب وقعاً خاصّاً على مسامع اللبنانيّين الذين اعتادوا، على مدى عقود، تدخّلاً سوريّاً مباشراً في الشؤون اللبنانيّة على مختلف المستويات، ولا سيما العسكريّة والأمنيّة منها. غير أنّ ما ورد في التصريح يطرح إشكاليّة مختلفة. فثمّة تفصيل لم يكن خافياً، إلّا أنّ تداول الإعلام لمفهوم “التدخّل” غيّب كلمة أساسيّة هي “المساعدة”، التي استخدمها ترامب بعناية.
في معرض حديثه عن لبنان، قال ترامب إنّ سوريا قد تساهم في “تسهيل تنفيذ” ضربات “أكثر دقّة” ضدّ “الحزب”، مشيداً في الوقت نفسه بـ”الاستقرار” الذي فرضه الشرع في سوريا، وهو يدرك أنّ أيّ تدخّل مباشر على الطريقة البعثيّة القديمة من شأنه أن يقوّض هذا الاستقرار الذي يثني عليه.
على خطّ دمشق – بيروت: تعاون بلا تدخّل
تمثّل العلاقة بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع وبيروت توجّهاً جديداً في السياسة السوريّة يقوم على بناء علاقات طبيعيّة قائمة على احترام السيادة والتكامل الاقتصاديّ، بدلاً من التدخّل السياسيّ أو الاستثمار في الانقسامات المذهبيّة.
في أكثر من مناسبة ولقاء، شدّد الرئيس السوريّ أمام نظيره اللبنانيّ جوزف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام على هذه الأسس التي تقوم عليها العلاقة الجديدة بين العاصمتين الجارتين.
يؤكّد مصدر سوريّ قريب من الرئاسة لـ”أساس ميديا” أنّ “سياسة الشرع تهدف إلى تجاوز إرث الماضي وبناء علاقة دولة بدولة مع لبنان”. ويضيف المصدر أنّ “النهج الجديد يتبلور في اتّجاه إنهاء سياسات الوصاية والتدخّل وفتح صفحة جديدة تنهي الذاكرة السلبيّة التي طبعت العلاقة مع بيروت”، مشدّداً على أنّ “استثمار نظام الأسد في الانقسامات والاستقطاب المذهبيّ في لبنان كان خطأ”.
بناء عليه يُستنتج أنّ دمشق لا تنوي التدخّل عسكريّاً في لبنان، انطلاقاً من رفضها إعادة إنتاج الاستقطاب المذهبيّ الذي كرّسه النظام السوريّ السابق. وقد تُفهم أيّ خطوة من هذا النوع في غير سياقها، وتُوظّف مذهبيّاً باعتبارها مواجهة بين قيادة سوريّة ذات غالبيّة سنّيّة وبين “الحزب”، على الرغم من الإرث الدمويّ الذي تركه الأخير في سوريا، والذي لا تزال آثاره حاضرة حتّى اليوم.
تعاون أمنيّ ودبلوماسيّ
يتّخذ التعاون بين الشرع والدولة اللبنانيّة في مواجهة “الحزب” طابعاً سياسيّاً ودبلوماسيّاً ولوجستيّاً وأمنيّاً غير مباشر، مع استبعاد أيّ تدخّل عسكريّ مباشر داخل الأراضي اللبنانيّة.
يؤكّد مصدر أمنيّ سوريّ آخر لـ”أساس ميديا” أنّ تعاون دمشق مع بيروت يمرّ عبر “قطع شرايين الإمداد والتهريب من خلال التعاون الحدوديّ”، مشيراً إلى أنّ “ضبط الحدود البرّيّة يشكّل الإجراء الأمنيّ الأبرز في هذا السياق”.
يضيف المصدر أنّ الإدارة السوريّة الجديدة عزّزت انتشار قوّاتها الأمنيّة والدفاعيّة على طول الحدود مع لبنان، وعملت على تدمير عدد من أنفاق تهريب الأسلحة، وهي عمليّات وثّقها الإعلام السوريّ الرسميّ بالصور ومقاطع الفيديو.
إلّا أنّ المصدر الأمنيّ السوريّ يشدّد على أنّ ما قصده الرئيس الأميركيّ حين تحدّث عن “استعداد سوريا للمساعدة” يرتبط أساساً بالتعاون الأمنيّ، ولا سيما في ما يتعلّق بالمعلومات المرتبطة بمواقع “الحزب” الحدوديّة والإحداثيّات والبيانات التي تمتلكها دمشق عن مواقع “الحزب” العسكريّة.
بالتوازي، يمكن لدمشق أن تساهم في خنق شبكات التسلّح من خلال تكثيف التنسيق الأمنيّ وتبادل المعلومات والبيانات مع بيروت، بما يساعد على منع تهريب الأسلحة والمعدّات من لبنان وإليه، وبالتالي تجفيف مصادر الدعم اللوجستيّ الخارجيّ لـ”الحزب”.
لا قوّات سوريّة قتاليّة إلى لبنان
يؤكّد مصدران سوريّان لـ”أساس ميديا” أنّ الرئيس السوريّ “يدعم علناً الخطوات الحكوميّة والرئاسيّة في بيروت الرامية إلى بسط سلطة الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة الشرعيّة على كامل الأراضي اللبنانيّة ومؤسّسات الدولة”.
يشدّد المصدران على أنّ أيّ تنسيق أمنيّ يجري في هذا الإطار يتكامل مع التوجّهات الإقليميّة والدوليّة الهادفة إلى رفع الغطاء السياسيّ عن الميليشيات العابرة للحدود، ودعم تطبيق القرارات التي تحصر السلاح بيد الجيش اللبنانيّ وحده.
وعليه، تعمل دمشق في عهد الشرع على مواجهة الاختراقات الأمنيّة العابرة للحدود، وتركّز تعاونها الأمنيّ على منع “الحزب” أو المجموعات المرتبطة بإيران من استخدام الأراضي السوريّة قاعدة انطلاق أو عمقاً استراتيجيّاً للمناورة وإعادة التموضع. وتقوم بتبادل اللوائح الأمنيّة اللازمة مع لبنان لملاحقة الأفراد والشبكات المرتبطة بـ”الحزب”، التي تنشط في عمليّات التهريب أو الكسب غير المشروع على جانبَي الحدود.
تؤكّد المصادر السوريّة في المقابل تمسّك دمشق برفض الانخراط في أيّ مواجهة عسكريّة مباشرة، مكتفيةً بأداء دور دفاعيّ يهدف إلى حماية أمنها القوميّ ومنع تمدّد الصراعات الإقليميّة إلى أراضيها، مع ترك مهمّة معالجة ملفّ السلاح داخل لبنان للسلطات الشرعيّة اللبنانيّة.
في المحصّلة لا يبدو الحديث عن تدخّل عسكريّ سوريّ مباشر في لبنان مطروحاً في حسابات دمشق الحاليّة، ولا في مقاربة الشرع للعلاقة مع بيروت، ما دامت الدولة اللبنانيّة نفسها لم تطلب مثل هذا التدخّل، وما دام التوجّه السوريّ الجديد يقوم على احترام السيادة اللبنانيّة وبناء علاقة متوازنة بين دولتين مستقلّتين.
بديع يونس – اساس ميديا




