هل يعود النفط إلى الواجهة؟…

دوللي بشعلاني – “الديار”
كان قطاع النفط ولا يزال مرآةً للتوازنات السياسية والأمنية في شرق المتوسط، إلا أنّ الأزمات المالية والسياسية والحروب التي شهدها لبنان جمّدت هذا القطاع الواعد. غير أنّ المرحلة الحالية تبدو مختلفة عن سابقاتها، مع إعادة تشكيل “هيئة إدارة قطاع البترول” بعد سنوات من الشغور، بالتوازي مع توقيع “صيغة الإطار” في واشنطن الهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب “الإسرائيلي” من الأراضي اللبنانية، ما يثير تساؤلات حول إمكان عودة الاستثمارات النفطية واستقطاب شركات عالمية، وفي مقدمها “توتال إنرجيز”، لاستكمال أعمالها في البلوك 8.
وتؤكّد مصادر خبيرة مطلعة أنّ استكمال تعيين أعضاء الهيئة شكّل مطلباً رئيسياً لشركات النفط الدولية، بعدما أدّى غيابها إلى إبطاء القرارات التقنية والإدارية وإثارة تساؤلات حول الحوكمة واستمرارية إدارة القطاع. ومع اكتمالها، أزال لبنان إحدى أبرز العقبات المؤسساتية، وأصبح يمتلك جهازاً تنظيمياً أكثر قدرة على إدارة دورات التراخيص ومتابعة العقود والتفاوض مع الشركات وفق معايير أكثر استقراراً. لكنّ المصادر تشير إلى أنّ الشركات العالمية لا تبني قراراتها الاستثمارية على الإصلاحات الإدارية وحدها، بل تعطي الأولوية للاستقرار الأمني والسياسي. ومن هنا تكتسب “صيغة الإطار” أهمية تتجاوز أبعادها العسكرية، إذ تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب “الإسرائيلي”، وتهيئة الظروف لعودة السكان وإعادة الإعمار. وإذا تحوّلت إلى واقع مستدام، فإنّها ستُخفّض المخاطر الأمنية التي شكّلت أحد أبرز أسباب عزوف المستثمرين عن تنفيذ عمليات بحرية مرتفعة الكلفة.
ورغم هذا المناخ الإيجابي، ترى المصادر أنّه لا يزال من المبكر توقع اندفاعة واسعة لشركات النفط العالمية نحو البلوكات اللبنانية. فدورة التراخيص الثالثة، التي أطلقت في كانون الأول 2023 وأُقفل باب تقديم العروض فيها نهائياً في 28 تشرين الثاني 2025 بعد تأجيلات متكرّرة، لم تحقق النتائج المرجوة، ويُنتظر إطلاق دورة رابعة بشروط أكثر مرونة لتشجيع الشركات العملاقة، وكذلك الصغيرة، على المشاركة. وتوضح المصادر بأنّ الاستثمار في الاستكشاف البحري يرتبط أيضاً بالجدوى الاقتصادية والنتائج الجيولوجية. وحتى الآن لم يُسجّل لبنان أي اكتشاف تجاري مؤكّد، كما لم تؤد أعمال الحفر في البلوكين 4 و9 إلى اكتشاف قابل للتطوير، ما أبقى المياه اللبنانية ضمن المناطق عالية المخاطر مقارنة بدول شرق المتوسط التي حقّقت اكتشافات كبيرة. إلا أنّ تحقيق أول اكتشاف، ولا سيما في البلوك 8، قد يغيّر نظرة المستثمرين ويفتح الباب أمام تطوير القطاع.
وفي هذا السياق، يُرجح أن تعتمد الشركات العالمية سياسة “الترقب المدروس”، فتراقب استقرار الوضع الأمني، واستمرارية عمل المؤسسات، وقدرة الدولة على توفير بيئة قانونية واقتصادية مستقرة قبل ضخّ إستثمارات تمتدّ لسنوات وتتطلّب مئات ملايين الدولارات.
وتبقى “توتال إنرجيز” الشريك الدولي الأبرز في قطاع النفط اللبناني. فعلى الرغم من النتائج غير المشجعة في البلوكين 4 و9، تؤكّد مصادر سياسية مطلعة استمرار التزام الشركة بالعمل في لبنان، بعدما وقّعت في 9 كانون الثاني الماضي إتفاقية الاستكشاف والإنتاج في البلوك 8 بصفتها المشغل الرئيسي للكونسورتيوم الذي يضمّ أيضاً “إيني” الإيطالية و”قطر للطاقة”. وينص البرنامج الأولي، الممتد على ثلاث سنوات، على تنفيذ مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد (3D) على مساحة تقارب 1200 كيلومتر مربع قبل اتخاذ قرار حفر أول بئر استكشافية أو الانسحاب.
إلا أنّ البرنامج لم يبدأ بعد، وتلفت المصادر إلى أنّ السبب يعود إلى استمرار الحذر من الواقع الأمني في المنطقة الحدودية، إذ تتطلّب عمليات المسح البحري بيئة مستقرّة تضمن سلامة السفن والطواقم وتحدّ من كلفة التأمين والمخاطر التشغيلية. كما أنّ العقد لا يفرض على “توتال” المباشرة بالمسح فور التوقيع، بل يتيح لها تنفيذ الأعمال في أي وقت خلال النصف الأول من المرحلة الأولى، قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن الحفر.
وتضيف المصادر أنّ البلوك 8 يقع بمحاذاة الحدود البحرية الجنوبية، ما يجعل تحريك سفن المسح مرتبطاً مباشرة باستقرار الترتيبات الأمنية. كما أسهم قرار الحكومة، في أواخر العام 2025، إلغاء الترخيص السابق لشركة “TGS” النروجية- الأميركية للمسح السريع، وحصر المهمة بتحالف “توتال”، في ربط الجدول الزمني بالكامل بتقديرات الشركة والظروف الأمنية.
وعليه، يقف لبنان اليوم أمام فرصة قد تكون الأهم منذ انطلاق مسار التنقيب البحري. فإعادة تشكيل هيئة إدارة قطاع البترول وإمكان ترسيخ الاستقرار الأمني يزيلان أبرز العقبات أمام الاستثمار.. إلا أنّ عودة الشركات العالمية ستظل مرهونة بتحويل هذا الاستقرار إلى واقع دائم، واستكمال الإصلاحات، وإثبات قدرة لبنان على توفير بيئة استثمارية آمنة ومشجّعة. وعندها فقط قد تنتقل البلوكات البحرية اللبنانية من مرحلة الوعود إلى مرحلة الاستكشاف الفعلي، بما يعيد لبنان إلى خريطة الطاقة في شرق المتوسط.




