عراقجي وقاليباف على لائحة الاغتيال!

كشفت مصادر أميركية لصحيفة “نيويورك تايمز” أنّ مسؤولين في الولايات المتحدة اعتقدوا أنّ إسرائيل كانت تخطط لاغتيال كبار المفاوضين الإيرانيين، وفي مقدمهم وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في وقت كانت فيه واشنطن منخرطة في محادثات حساسة مع طهران بهدف التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، قبل أن تتدخل الإدارة الأميركية لمنع تل أبيب من المضي في هذه الخطط.
وبحسب مسؤول أميركي تحدث إلى الصحيفة، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب علمت خلال تلك المرحلة أنّ قاليباف كان مدرجًا، على الأقل، على قائمة الاستهداف الإسرائيلية، وطلبت من إسرائيل الامتناع عن استهدافه، خشية أن يؤدي اغتياله إلى نسف مسار التفاوض مع إيران في لحظة كانت واشنطن تحاول فيها إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحًا.
وتشير المصادر إلى أنّ استهداف كبار القادة الإيرانيين كان جزءًا من الاستراتيجية الإسرائيلية منذ بداية الحرب، غير أنّ القلق الأميركي تصاعد تحديدًا مع تقدم مفاوضات وقف إطلاق النار التي بدأت في نيسان، خصوصًا بعد ورود معلومات عن احتمال استهداف شخصيات سياسية تفاوضية مثل عراقجي وقاليباف.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، لم تكتف واشنطن بالطلب المباشر من إسرائيل، بل طلبت من دول أخرى في المنطقة توجيه تحذيرات إلى طهران بشأن احتمال استهداف المسؤولين الإيرانيين، في محاولة لتقليل مخاطر التصعيد ومنع عملية اغتيال قد تعيد الحرب إلى نقطة الصفر.
وتقول المصادر إنّ قاليباف نجا من محاولتي اغتيال، الأولى خلال حرب استمرت 12 يومًا في حزيران 2025، والثانية خلال الصراع الحالي، عندما استهدفت إسرائيل اجتماعًا سريًا لكبار المسؤولين الإيرانيين داخل ملجأ تحت جبل، وفق 3 مسؤولين إيرانيين كبار وتصريحات علنية لمسؤولين آخرين. وبحسب الرواية نفسها، أُنقذ قاليباف في المرتين من تحت الأنقاض.
وخلال مسار المفاوضات، اتخذت إيران إجراءات أمنية مشددة لتقليل فرص استهداف كبار مسؤوليها. ففي نيسان، كان من المقرر أن يتوجه قاليباف إلى إسلام آباد للقاء نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إلا أنّ مسؤولين أمنيين إيرانيين أبدوا مخاوف من أن تستغل إسرائيل الزيارة لتنفيذ عملية تستهدف قاليباف أو عراقجي بهدف تعطيل المحادثات.
وبناء على هذه المخاوف، سعت إيران عبر وسطاء في باكستان وقطر إلى الحصول على ضمانات من الولايات المتحدة بعدم تنفيذ إسرائيل أي عمليات سرية ضد الوفد الإيراني. وخلال الزيارة، رافقت مقاتلات باكستانية الطائرات الإيرانية التي كانت تقل وفدًا يضم أكثر من 70 مسؤولًا، من الحدود الإيرانية حتى إسلام آباد، ثم خلال رحلة العودة.
لكن أثناء عودة الوفد إلى طهران، برز تهديد أمني جديد. وبحسب المصادر، أبلغت أجهزة الأمن الإيرانية الطائرة التي تقل قاليباف بوجود معلومات استخباراتية عن نية إسرائيل استهدافها، بالتزامن مع دخول مقاتلتين إسرائيليتين الأجواء الإيرانية من الجهة الغربية قرب العراق.
وأكد مهدي محمدي، مستشار قاليباف الذي رافقه إلى إسلام آباد، هذه الرواية عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أنّ الطائرة هبطت اضطراريًا في مدينة مشهد، أقرب المطارات الإيرانية إلى الحدود الباكستانية، قبل أن يعود الوفد الإيراني برًا إلى طهران في رحلة استغرقت نحو 8 ساعات.
ورغم هذه التطورات، واصل المسؤولون الإيرانيون تحركاتهم الدبلوماسية. ففي أواخر أيار، سافر قاليباف وعراقجي إلى قطر لإجراء محادثات، ثم توجها في حزيران إلى سويسرا لعقد اجتماع مباشر ثانٍ مع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس والوفد الأميركي، في مؤشر إلى أنّ طهران حاولت الحفاظ على المسار السياسي رغم المخاطر الأمنية المحيطة به.
وتأتي هذه المعطيات لتكشف حجم التداخل بين الحرب السرية والمفاوضات السياسية في النزاع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فواشنطن، وفق الرواية الأميركية، كانت تسعى إلى منع انهيار التفاوض، فيما كانت إسرائيل ترى في استهداف القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية وسيلة لتغيير ميزان القوة وفرض شروط جديدة على طهران.
واندلعت الحرب في 28 شباط بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وأسفرت عن استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين. وخلال المرحلة الأولى من الحرب، ركزت الضربات الأميركية على البحرية الإيرانية وقوات الصواريخ، فيما أعطت إسرائيل أولوية لاستهداف القيادة السياسية والعسكرية، بهدف تصفية أكبر عدد ممكن من المسؤولين المؤثرين في القرار الإيراني.
وبحسب المصادر، شملت العمليات الإسرائيلية اغتيال شخصيات وُصفت بأنها أكثر اعتدالًا، وكان يُتوقع أن تشارك في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مثل علي لاريجاني، كبير مسؤولي الأمن القومي الإيراني، وكمال خرازي، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، اللذين قُتلا في ضربات جوية إسرائيلية أثناء مشاركتهما في مسار التفاوض مع واشنطن.
وتمنح هذه التفاصيل صورة أكثر تعقيدًا عن خلفية المفاوضات الأميركية – الإيرانية، إذ لم تكن المحادثات تدور فقط حول شروط وقف النار أو مستقبل البرنامج النووي أو الترتيبات الإقليمية، بل كانت تجري تحت ظل تهديدات اغتيال واستهدافات مباشرة لشخصيات موجودة في قلب المسار التفاوضي.
وبذلك، يظهر أنّ الخلاف بين واشنطن وتل أبيب لم يكن حول الهدف النهائي المتمثل في كبح إيران، بل حول التوقيت والوسيلة. فالإدارة الأميركية خشيت أن يؤدي اغتيال مفاوضين كبار إلى إفشال الاتفاق وفتح الباب أمام حرب أوسع، بينما اندفعت إسرائيل نحو خيار تصعيدي يقوم على ضرب رأس القرار الإيراني، حتى لو كان ذلك على حساب المسار الدبلوماسي.




