أخبار محلية

لبنان في خريطة البابا الدوليّة

نداء الوطن – داود رمال

يبدو أن لبنان تحوّل، في الحسابات الجديدة للكرسي الرسولي، إلى إحدى النقاط المركزية التي تتقاطع عندها الرؤية السياسية للبابا لاوون الرابع عشر مع مشروعه الأوسع لإعادة تعريف دور الفاتيكان في عالم مضطرب تحكمه الحروب وتتصارع فيه مشاريع النفوذ على مستقبل أوروبا والشرق الأوسط، حيث يتابع البابا شخصيًّا ملفات حيوية وأساسية، تبدأ من الحرب الروسية ـ الأوكرانية ولا تنتهي عند لبنان وسوريا، مرورًا بمستقبل أوروبا والعلاقة مع روسيا، وصولا إلى الولايات المتحدة والصين.

ويكشف مصدر مقرّب من الكرسي الرسولي لـ”نداء الوطن” أن “إيفاد أمين سر دولة الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية، المطران بول ريتشارد غالاغر، هو جزء من تحرك سياسي ودبلوماسي أوسع يعمل عليه البابا شخصيًّا. فقد التقى غالاغر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في اجتماع مطوّل جدًّا، وتركز البحث على نقطتين أساسيتين، في مقدمتهما الحرب في أوكرانيا وضرورة الوصول إلى نهايتها”.

لكن ما يلفت في المقاربة الفاتيكانية، بحسب المصدر، أن “البابا لاوون لا يريد الاكتفاء بالدعوة إلى وقف الحرب، بل يعمل على تغيير البيئة السياسية والنفسية التي تحيط بها. والفكرة التي تتحرك بها الدبلوماسية الفاتيكانية تقوم على تظهير صورة مختلفة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الأوروبيين، صورة لا تختصره في شخصية الزعيم الذي يريد احتلال أوروبا، بل تفتح الباب أمام رؤية أكثر تعقيدًا يمكن من خلالها إعادة إطلاق الحوار بين روسيا وأوروبا”.

ولا يعني ذلك، وفق المصدر، “تبنّي الموقف الروسي أو تبرئة موسكو من مسؤولياتها، وإنما محاولة بناء مسار تفاوضي لا يمكن أن يبدأ إذا بقيت أبواب التواصل السياسي مغلقة. فالبابا، في هذه المرحلة، يريد أن يتحدث مع الجميع، وأن يحافظ على خيوط الاتصال حتى مع الأطراف الأكثر خلافًا مع الغرب، انطلاقًا من قناعة بأن الدبلوماسية لا تنجح عندما تتحدث فقط إلى من يشاطرها الرأي”.

ويوضح المصدر أنه “من هنا تكتسب زيارة البابا إلى فرنسا بين 25 و28 أيلول الحالي أهمية تتجاوز بعدها الرعوي بكثير. فاللقاء مع الرئيس إيمانويل ماكرون، والكلمة المرتقبة في اليونسكو، والقداس في ساحة الكونكورد، ثم الانتقال إلى مدينة متز (Metz)، كلها محطات تحمل في الحسابات الفاتيكانية رسائل سياسية وثقافية تتصل بمستقبل أوروبا نفسها. فالكونكورد مكان يحمل ذاكرة الثورة الفرنسية وإعدام الملك لويس السادس عشر منذ 250 سنة. ولذلك فإن حضور البابا في هذه الساحة وإقامته القداس فيها يحمل، في القراءة الفاتيكانية، بعدًا رمزيًّا يتصل بمسار طويل من العلاقة المعقدة بين فرنسا والكنيسة، وبإمكان تحويل الذاكرة التاريخية من عنصر انقسام إلى مساحة للمصالحة، أي مصالحة فرنسا مع الكنيسة بعد 250 عامًا. أما متز، بما تمثله من نقطة التقاء أوروبية وتاريخ مشترك بين شعوب وحدود وثقافات مختلفة، فستكون منصة مناسبة لرسالة البابا حول أوروبا والاتحاد الأوروبي، وحول القارة التي لم تعد قادرة على صنع مستقبلها فقط من خلال القوة العسكرية”.

ويقول المصدر إن “البابا يريد أن يطرح أمام الأوروبيين سؤالا أكبر من الحرب الأوكرانية نفسها: أي أوروبا يريد العالم بعد هذه الحرب؟ وهل تكون أوروبا قوة عسكرية تتحرك تحت مظلة أمنية، أم تعود إلى فكرة المشروع الأوروبي القائم على المصالحة والحوار والثقافة والقيم؟”

ويتابع المصدر أنه “وفي قلب هذا السؤال الأوروبي، يحضر لبنان، كون الفاتيكان يريد أن يحصل على دعم دولي لمواقفه حيال ما تقوم به إسرائيل، وتحديدًا في لبنان، على أن يمتد الاهتمام لاحقًا إلى سوريا. والمقاربة الفاتيكانية لا تفصل بين الساحتين، إذ إن ما يجري في لبنان، وفق هذا التصور، يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على سوريا، فيما تكمن الخطورة الأكبر في الحالة السورية في غياب وجود مسيحي فاعل قادر على لعب الدور الذي لا يزال المسيحيون يؤدونه في لبنان. وفي هذا السياق تحديدًا، يكتسب لبنان موقعه الدائم في جدول اهتمامات الحاضرة الفاتيكانية”.

ويشير المصدر إلى “رغبة البابا في تكوين قوة دولية واسعة للحوار تضم روسيا وأوروبا، على أن يأتي دور الصين في مرحلة لاحقة. وهنا يعود الفاتيكان إلى إرث البابا يوحنا بولس الثاني، الذي أطلق مسار الحوار مع الصين، والذي بدأ، بحسب القراءة الفاتيكانية، يؤتي ثماره بعد سنوات طويلة من العمل الهادئ. وفي الجهة الأخرى من العالم، تبرز الولايات المتحدة باعتبارها الحلقة الثالثة في هذه المعادلة. فالفاتيكان يراقب التحولات داخل السياسة الأميركية، ولا سيما وجود تيار كاثوليكي مؤثر في دوائر القرار، وفي مقدمته نائب الرئيس جي دي فانس، الذي اعتنق الكاثوليكية وأصدر في حزيران من هذا العام كتابه «Communion»، متناولا فيه علاقته بالإيمان ودور القيم المسيحية في رؤيته للحياة العامة والسياسة، وهذا يؤشّر إلى إمكانية قيام تيار أميركي يعيد النظر في فكرة القوة العسكرية باعتبارها الأداة الأساسية للسياسة الخارجية، ويفتح المجال أمام رؤية تستند إلى القيم المسيحية والسلام والحوار. ويضاف إلى ذلك وجود وزير الخارجية ماركو روبيو، الكاثوليكي من أصل كوبي، بما يخلق، في الحساب الفاتيكاني، مساحة حوار مهمة مع واشنطن”.

ومن هنا يأتي، بحسب المصدر، “التحضير لزيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى وطنه، الولايات المتحدة، في نهاية ربيع وبداية صيف 2027، في زيارة قد تكون أبعد بكثير من كونها محطة عاطفية للبابا الأميركي الأول. فالعودة إلى الولايات المتحدة يمكن أن تتحول إلى مناسبة لإطلاق نقاش حول علاقة القوة بالقيم، وحول قدرة أميركا على استخدام نفوذها في إنتاج السلام بدلًا من تكريس منطق المواجهة”.

وهكذا، تبدو خريطة لاوون الرابع عشر مترابطة أكثر مما تبدو عليه للوهلة الأولى: موسكو لإنهاء الحرب في أوكرانيا، باريس لإعادة تعريف أوروبا، بيروت لحماية نموذج التعددية المسيحية في الشرق، دمشق لمنع انهيار ما تبقى من الحضور المسيحي، بكين لاستثمار مسار الحوار الذي بدأه يوحنا بولس الثاني، وواشنطن لفتح نافذة على سياسة أميركية أكثر ارتباطًا بالقيم المسيحية.

ولبنان في هذه المعادلة، فلا يبدو أنه ينتظر أن يطرق باب الفاتيكان؛ بل إن البابا نفسه يضع لبنان داخل غرفة عمليات دبلوماسية أكبر بكثير من حدوده، لأن ما سيحدث فيه قد يكون، بالنسبة إلى الكرسي الرسولي، مؤشرًا مبكرًا على شكل الشرق الذي سيولد من رحم هذه المرحلة المضطربة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |