“لا أريد زيادة العمليات… بس رح أخسر عين”: أطباء البايجر أمام أصعب معادلة

التصقت سيرة جرحى البايجر بسيرة أطباء عملوا في الليل والنهار في محاولة لاستعادة حياة شلّها العدو الإسرائيلي. قضى هؤلاء أياماً متواصلة في غرف العمليات. جمّلوا وجوهاً انفلشت ملامحها من وهج الانفجار، ورمّموا عيوناً وأصابع أيدٍ و«خيّطوا» جروحاً بصبر. وحتى الآن، يتابعون عملهم في مسار علاج الجرحى الطويل. ووقفوا مع جرحاهم حين اختارت الدولة قطع الحبل معهم مع انتهاء حالة الطوارئ، ومنهم الاختصاصي في جراحة وترميم العين، الدكتور الياس جرادة، والاختصاصي في الجراحات الترميمية وجراحة اليد، الدكتور يوسف بخاش، وطبيب الحروب الاختصاصي في الجراحات الترميمية والتجميلية، الدكتور غسان أبو ستة وآخرون. وكانت لهؤلاء الحصة الكبرى، لكون أكثر الإصابات وحشية إذ أصابت العيون واليدين قبل أن تنتقل إلى أعضاء أخرى كالبطن والصدر.
الياس جرادة المقاوم بعيون الناجين
في اللحظة التي انفجرت فيها عيون الناس، كانت عيون الأطباء في المستشفيات التي استقبلت الجرحى تحارب الصدمة التي أحدثتها المذبحة الأضخم في البلاد، منتقلة إلى مستوى آخر من المواجهة: الإنقاذ. والياس جرادة، أحد المحاربين لإنقاذ عيون الناجين. كان الحضور الجسدي والذهني بالنسبة إليه في غرفة العلميات فعل مقاومة، لذلك لم يترك لحظة ميدانه. يستذكر جرادة تلك اللحظات الصادمة، وإن كان الثقب في ذاكرته يتّسع يوماً بعد آخر كلما ابتعد عن الحدث، إلا أن ما هو ثابت بالنسبة إليه كان رعب ما حصل، على الأقل على الصعيد الطبي، وبوجهٍ خاص جراحة العين، فقد وجد نفسه، وغيره من الأطباء، فجأة في قلب عاصفة «غير مسبوقة عالمياً وتاريخياً في جراحة العين»، إذ إن أحداً لم يكن مُهيّأً لظرفٍ كهذا، لا أطباء ولا مستشفيات.
آلاف المصابين صبّوا دفعة واحدة، بإصابات بليغة جداً، كانت تستوجب إجراءات دقيقة، فيما الوقت كان ينفد، فكان هؤلاء أمام القرار الأصعب: المفاضلة بين العيون في محاولة لإنقاذ ما تيسّر منها في الوقت المناسب، «وقد وُفّقنا بما وُفّقنا»، يقول جرادة.
لم يكن ثمة خيار آخر، مع العصف المزدوج في العيون، من كيميائي إلى حراري، إضافة إلى الشظايا. وهذا ما كان يصعّب المهمة، في ظل حاجة غالبية العيون إلى الترميم، ولذلك كان مسار العلاج مُعقّداً، إذ إنه «عندما يكون هناك تلف في الأنسجة أو في جفون العين أو في الوجه، لا يمكن تركها بلا علاج وترميم العين، فهذا الفعل سيكون عندها بلا نتيجة، لذلك كان عليّ معالجة كل هذه الجروحات قبل أن أصل إلى العين من أجل حمايتها».
والمُحزِن، بالنسبة إلى جرادة، أن غالبية التدخلات كانت تحت هذا العنوان، لا لأنّ الصدفة قادت إلى ذلك، وإنما لأن «من صمّم هذه المتفجّرات صمّمها لتتوجه إلى العين ومحيطها». أمّا الخبث في تلك الجريمة فإن عصفها لم يكن ينحصر بتشظّي العين من الانفجار، وإنما أيضاً باحتواء هذه المتفجّرات على كمية وازنة من المواد الحرارية والكيميائية التي أدّت في نهاية المطاف «إلى فقدان أنسجة وإحداث حروق فيها أو تفاعلها مع المواد الكيميائية»، بما يعقّد العلاجات ويصل إلى حدّ تلف العين.
ولذلك، كانت نتيجة هذه الجريمة «التي صاغها عقل شيطاني»، يقول جرادة، أن وضعت الجسم الطبي أمام معادلات صعبة جداً كان يضطر الجراح معها إلى استئصال أنسجة لتلافي ما هو أصعب. ولعلّ أسوأ ما في تلك التفاعلات أنها تسببت مع الوقت بتلف قرنية العين بعد زرعها، وهو ما عايشه لحظة بلحظة مع تكرار زراعة القرنية لجرحى البايجر بسبب «التضرر والتلف في سطح العين نتيجة الحروق والتلوّث الكيميائي الذي يلتصق بسطح العين، أضف إلى تلف جفون العين بحيث يصبح السطح مُعرّضاً لعدم وجود أنسجة تحميه».
والنتيجة هي خسارة الخلايا الجذعية، فأصعب ما في جراحات العين، أن الأخيرة من أكثر الأعضاء حساسية وترميمها من أكثر الجراحات دقّة، ولذلك لا تحتمل جراحات متكرّرة «ولا سيما سطحها، بحيث يفقد مع تكرار العمليات الخلايا الجذعية»، وهذا ما حدث في الفترة الأولى من المجزرة. فتكرار العمليات ليس شرطاً للشفاء، وفي العين بالذات يؤدّي إلى النقص في الخلايا الجذعية التي تجدّد سطح العين. وهذا ما يضع الأطباء في حالة تقييم دائم للعين، لمعرفة متى يجب التدخل ومتى يجب التوقف وإراحة العين. غير أنه في بعض الحالات تسقط علامات التقييم، حيث تكون المفاضلة بين إراحة العين وخسارتها. معادلة صعبة بين «أنني لا أريد زيادة العمليات بس رح إخسر عين»، يقول جرادة.
راجانا حمية – الاخبار




