Featuredأخبار محلية

معادلة كنعان الذهبية

اختصر النائب إبراهيم كنعان، في كلمته أمام مجلس النواب، معادلة وطنية لا تحتمل الالتباس: لا يمكن تكليف الجيش بمسؤوليات سيادية كبرى، ثم تركه ينتظر المساعدات والوعود.

فإذا كان المطلوب أن يصبح الجيش المرجعية الأمنية والعسكرية الوحيدة على كامل الأراضي اللبنانية، وأن يحمي الحدود ويضمن حصرية السلاح بيد الدولة، فلا بد أولاً من منحه التمويل والتجهيز والقرار السياسي الذي يتيح له تنفيذ هذه المهمات.

لا تكليف بلا تمكين، ولا محاسبة على نتائج من دون توفير أدواتها

تكتسب معادلة كنعان أهميتها في لحظة تتعرض فيها المؤسسة العسكرية لحملة تشكيك تطاول قدراتها وإرادتها. فقد نقلت وسائل إعلامية عن مصدر في وزارة الحرب الأميركية قوله إن ضعف أداء الجيش لا يعود إلى نقص الموارد، بل إلى “مسألة إرادة”.

هذا اتهام كبير، لكنه جاء بلا واقعة واحدة تثبته. لم يحدد المصدر المهمة التي أخفق الجيش في تنفيذها، ولا القدرات التي امتلكها ولم يستخدمها، ولا القرار السياسي الذي صدر إليه وامتنع عن تطبيقه.

وهنا لا بد من التمييز بين مهمتين مختلفتين

إذا كان المقصود حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، فكيف يمكن تجاهل نقص القدرات؟ الجيش لا يمتلك طائرات مقاتلة حديثة ولا منظومات دفاع جوي وقدرات صاروخية واستخباراتية توازي الأخطار التي يواجهها، فيما تحصل إسرائيل على أحدث الأسلحة والتكنولوجيا والدعم السياسي بلا حدود.

لا يمكن مطالبة جندي بمواجهة آلة عسكرية متفوقة، ثم اتهامه بضعف الإرادة لأن دولته لم تمنحه السلاح.

أعطوا الجيش القدرة، ثم اختبروا إرادته

أما إذا كان المقصود تنفيذ حصرية السلاح وهو الارجح، فهي مطلب لبناني وشرط أساسي لقيام الدولة. فلا تكتمل السيادة ما لم يكن السلاح والقرار العسكري في يد المؤسسات الشرعية وحدها.

لكن الجيش لا يستطيع اتخاذ هذا القرار منفرداً. هو ينفذ قرار الدولة ولا يصنعه، ولا يضع الاستراتيجية الوطنية أو يحدد وحده كيفية معالجة سلاح “حزب الله”. وهذه المهمة تحتاج إلى قرار سياسي واضح، وخطة قابلة للتنفيذ، وغطاء وطني يمنعان دفع المؤسسة إلى مواجهة داخلية غير محسوبة.

لا يجوز أن يعجز السياسيون عن اتخاذ القرار، ثم يطلبوا من الجنود دفع ثمن عجزهم بدمهم.

ومن حق اللبنانيين أيضاً أن يسألوا المجتمع الدولي: إذا كانت تريد من الجيش تنفيذ مهمات أكبر، فلماذا لا يحصل على القدرات التي توازيها؟ فالمساعدات التي تحفظ صمود المؤسسة وتساعدها على ضبط الأمن ضرورية، لكنها لا تكفي لبناء جيش قادر على حماية السيادة ومواجهة التهديدات الخارجية.

كما أن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده. فالدولة اللبنانية مطالبة بتأمين موازنة جدية للجيش، وحماية حقوق عسكرييه، وتثبيت رواتبهم، وتوفير حاجاته التشغيلية. لا يمكن أن يكون الجيش عماد الدولة، فيما يبقى عسكريوه قلقين على أبسط مقومات حياتهم.

ورغم الانهيار، لا يزال الجيش منتشراً على الحدود وفي الجنوب، ويواجه الإرهاب والتهريب والمخدرات ويحمي الاستقرار. يمكن محاسبته عندما يخطئ، فهذا حق وواجب، لكن لا يجوز إهانته أو تحميله نتائج قرارات لم تُتخذ وقدرات لم تُمنح له.

هذه هي معادلة كنعان الذهبية: مَن يريد الجيش مرجعية وحيدة، فليمنحه أدوات المرجعية. ومَن يطالبه بحماية الأرض وحصر السلاح، فليؤمّن له القرار والتمويل والتسليح.

بدك تطالب الجيش… وقاف حدّو!

المصدر: ليبانون ديبايت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |