أخبار محلية

كيف يُحوّل لبنان “الحبّة” إلى قصّة نجاح؟

رينه أبي نادر – Mtv
مَن منّا لا يعشق القهوة؟ فنجانٌ صغير يُرافقنا في الصّباح، وفي جلساتنا وأحاديثنا، وتحوّلَ مع الوقت إلى جزءٍ من هويّتنا وعاداتنا. خلف هذا الفنجان، قصّة، بدأت خلال عهد السّلطنة العثمانيّة، وانتشرت تدريجيّاً في بلاد الشّام، قبل أن تُصبح رمزاً للضّيافة في لبنان. لكن، لطالما تأثّر هذا القطاع بالاستيراد والأسعار، فما هو واقع القهوة اللّبنانيّة اليوم؟

البنّ اللّبنانيّ: صادرات المحمّص تتضاعف 3.5 مرات خلال عقد رغم الأزمة
في بلد لا يزرع حبّة بنّ واحدة، نجحت المحامص اللّبنانيّة في تحويل القهوة إلى منتج تصديريّ متنامٍ يحمل اسم لبنان إلى الأسواق الخارجيّة. هذا ما تكشفه أرقام التّجارة الخارجيّة للبنّ خلال السّنوات العشر الأخيرة، والتي تعكس، وفق المدير العام للاقتصاد والتجارة الدكتور محمد أبو حيدر، قدرة القطاع الخاصّ اللّبنانيّ على الصّمود وبناء قيمة مضافة حقيقيّة حتّى في أصعب الظّروف.

الواردات: تعافٍ بعد الانهيار
تُظهر الأرقام أنّ فاتورة استيراد البنّ تراوحت قبل الأزمة بين 63 و79 مليون دولار سنويّاً، قبل أن تتراجع بشكل حادّ عام 2020 إلى نحو 41 مليون دولار، متأثّرة بالانهيار الماليّ وجائحة “كورونا” وانفجار مرفأ بيروت. ثمّ عادت لتتعافى تدريجيّاً، فبلغت 78.7 مليون دولار عام 2023، و103 ملايين عام 2024، لتصل إلى 112.4 مليون دولار عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عشر سنوات.
وفي هذا الإطار، لفت أبو حيدر إلى ضرورة قراءة هذا الارتفاع بدقّة، إذ إنّ جزءاً منه يعود إلى الارتفاع القياسيّ في أسعار البنّ عالميّاً خلال عامَي 2024 و2025، وليس فقط إلى زيادة الكمّيّات المستوردة.
أما اللافت في بنية الواردات، فهو أنّ نحو 90% منها بنّ أخضر غير محمّص، أي مادّة أوّليّة تدخل إلى المحامص المحلّيّة. وأوضح أبو حيدر أن هذا ما يمنح القطاع أهمّيّته، لأنّ القيمة المضافة تُصنع داخل لبنان، من التّحميص والطّحن والخلط إلى التّعبئة وبناء العلامة التّجاريّة.

الصّادرات: قصّة النجاح الحقيقيّة
على صعيد التّصدير، ارتفعت صادرات البنّ المحمّص من 8.9 ملايين دولار عام 2016 إلى 30.7 مليون دولار عام 2025، أي بنحو ثلاثة أضعاف ونصف. كما ارتفع إجمالي صادرات البنّ من 21 مليون دولار إلى 35.4 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
واعتبر أبو حيدر أنّ الأهمّ من حجم النّمو هو توقيته، إذ استمرّت الصّادرات المحمّصة في الصّعود خلال سنوات الأزمة نفسها، ما يدلّ على قدرة المؤسّسات اللّبنانيّة على التّكيّف والبحث عن أسواق خارجيّة.
وتشير الأرقام كذلك إلى تحوّل جذريّ في بنية الصّادرات، فبعد أن كان البنّ المحمّص يشكّل نحو 42% من صادرات البنّ عام 2016، بات يشكّل قرابة 87% منها عام 2025. وفي هذه الفئة تحديداً، حقّق لبنان عام 2025 فائضاً تجاريّاً يتجاوز 21 مليون دولار، إذ بلغت الصّادرات 30.7 مليون دولار مقابل واردات بقيمة 9.1 ملايين فقط.

التحدّي: رفع القيمة المضافة
في المقابل، لا يزال الميزان التّجاري الإجماليّ للبنّ يسجّل عجزاً يقارب 77 مليون دولار. ورأى أبو حيدر أن ذلك أمر طبيعيّ لبلد لا ينتج المادّة الأوّليّة، مشدّداً على أنّ التّحدّي لا يكمن في الحدّ من الاستيراد، بل في رفع ما يُعاد تصديره من قيمة مضافة مقابل كلّ دولار يُنفق على الاستيراد.
ولتحقيق ذلك، دعا إلى تعزيز معايير الجودة والاعتماد لتمكين المنتجات اللّبنانيّة من المنافسة في الأسواق الصّعبة، وحماية العلامات التّجاريّة اللّبنانيّة، وتسهيل النّفاذ إلى الأسواق العربيّة والخليجيّة والأوروبيّة وأسواق الانتشار، إلى جانب تشجيع المحامص على التّوسّع في المنتجات المتخصّصة ذات القيمة الأعلى.

وختم أبو حيدر بالقول إنّ قصّة البنّ تختصر ما يمكن أن يكون عليه النّموذج الاقتصاديّ اللّبنانيّ: بلد صغير بموارد أوّليّة محدودة، لكنّه غنيّ بالخبرة والذّوق والقدرة على تحويل حبّة مستوردة إلى منتج يحمل اسم لبنان إلى العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |