من دون طعم أو لون أو هوية… “لبنان موعود” الى ما بعد أجيال…

أنطون الفتى – وكالة “أخبار اليوم”
في أوقات الحكم مُكتمل السلطات والصلاحيات، أو في أيام الفراغ وتصريف الأعمال، يسير لبنان ويُسيَّر بالكلام، وتحديداً بذاك الذي لا مفاعيل له، ولا قابلية لاستثماره بشكل ملموس.
فلا طعم أو لون أو هوية واضحة للدولة اللبنانية يشعر بها المواطن، مهما كثُرَت الأزمات والصعوبات، ومهما توفرت وسائل أو ظروف يمكن لاستغلالها جيداً أن يقلب المشهد رأساً على عقب.
الثمن السياسي
ففي بلادنا، خضع اللبنانيون جميعهم لحرب لا يريدها سوى شريحة واحدة بينهم. ورغم ذلك، لا أثمان سياسية مدفوعة حتى الساعة، ولا شيء يُشير الى احتمال حصول هذا الأمر مستقبلاً.
فالخطاب السياسي لا يزال هو نفسه، بين مُصِرّ على السلاح من جهة، وبين خجول وخائف في التشديد على سلطة الدولة، وعلى بسط سيطرتها، وعلى حصر السلاح في يدها وحدها.
توفير الظروف
وفي بلادنا أيضاً الأزمات نفسها، بين انقطاع مزمن للكهرباء، وأزمات مياه، ومشاكل اتصالات… وهو ما لا يمكن حلّه لا على طاولة مجلس وزراء، ولا في برلمان، ولا في اجتماعات وزارية أو نيابية، ولا بتصريحات سياسية، بل بتلبية شروط وتوفير ظروف من جانب الدولة اللبنانية.
فلبنان الرسمي مُطالَب بتطبيق شروط سياسية وأمنية وعسكرية متعددة منذ سنوات، وبالعديد من الإصلاحات، كمدخل لتوفير الكهرباء وغير الكهرباء. وإذا عُدنا بالذاكرة الى كميات الخطط الموضوعة ضمن تلك الأُطُر، والى الأفكار التي نُوقِشَت مع خبراء وموفدين دوليين وإقليميين في تلك المجالات، لكان بالإمكان حلّ مشاكل وأزمات قارة بكاملها منذ عام 2021 بحد أدنى، من دون أي نتيجة على أرض الواقع في لبنان، لسبب أساسي هو أن بلدنا يسير بالكلام، لا أكثر.
فلا شروط خارجية ضرورية تُقبَل داخلياً من باب إتاحة الظروف لحلّ الأزمات الحياتية، المرتبطة بمستقبل الواقع الاقتصادي والاستثماري العام في لبنان أيضاً، وذلك بإسم السيادة ورفض التدخل الأجنبي. فكيف يمكن تأمين الظروف المناسبة في تلك الحالة لحصر السلاح بيد الدولة وحدها؟
وإذا كان الإصلاح الإداري والاقتصادي مسألة وطنية يُرفَض أي رأي أو فكرة خارجية بشأنه بإسم السيادة، فكيف يمكن للعالم وللشعب اللبناني معاً أن يصدّقا دولة لبنان في أنها عازمة على حصر السلاح في يدها وحدها، وهو عنوان مطلوب دولياً، وبضغط دولي شديد؟
هذا مع العلم أن كل دول العالم قابِلَة للتعرّض الى ملاحظات خارجية مرتبطة بالإصلاحات فيها أو بالأمن، سواء من مؤسسات أو صناديق مالية دولية، أو من جانب الأمم المتحدة، أو من دول أخرى، وتتعامل معها بالشكل اللازم وبما يُتيح لها الحفاظ على استدامة حصولها على المساعدات وغيرها، من دون ذرائع بشأن السيادة الوطنية، أو الخصوصيات الداخلية.
لبنان موعود…
الأوضاع مختلفة في لبنان، حيث الكلام الكثير والأفعال القليلة جداً، الى درجة أنه يمكن للولايات المتحدة الأميركية أو لغيرها من الدول، أن تعلّق على تقارير أو معطيات بشأن عمليات تهريب أو أنشطة غير شرعية، من والى لبنان، فيما تغيب الدولة اللبنانية “عن السّمع” كلياً، وتُظهِر وكأنها لم تعلم ما جرى أو يجري.
وأما إذا اختارت أن تخرج عن صمتها، فيكون ذلك بمقدار كافٍ لحثّ المُستمع على القول إنه كان يُفضَّل الحفاظ على صمت رسمي من ذهب، إذا كان الكلام الرسمي من دون جدوى الى هذا الحدّ.
أيام وظروف تمرّ، والبلد على حاله. فلا أثمان سياسية تُدفَع بسبب أخطاء ارتُكِبَت سابقاً، يدفع المواطن اللبناني ثمنها من حياته اليومية. ولا دولة لبنانية تقدم ما يتجاوز الكلام، هذا إذا نُصِحَت بالخروج عن الصمت. وبين الصمت والكلام الرسمي في بلادنا، تُصبحون على لبنان موعود الى ما بعد أجيال.




