أخبار محلية

خارطة طريق إسكانية جديدة: هل تُنهي أزمة السكن؟

بعد توقّف دام نحو 7 سنوات عن منح القروض من المؤسسة العامة للإسكان، تعود خارطة الإسكان مجدّداً إلى ميدان السجالات، بعد إقرار مجلس الوزراء في موازنة العام المقبل 24 مليون دولار للمؤسسة العامة للإسكان، بهدف منح قروض سكنية لمحدودي الدخل. رئيس مجلس إدارة ومدير عام المؤسسة روني لحّود أعدّ خارطة طريق استراتيجية وطنية للإسكان في لبنان تواكب هذه المرحلة، جرى التداول بها خلال الأسبوع الجاري، مرة في جلسة لجنة الصحة العامة والعمل والشؤون الاجتماعية، ومرة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. ماذا تتضمن تلك الورقة؟

حدّدت التوصيات السابقة الواردة في خارطة الطريق، خطوطاً عريضة لسياسة إسكانية وطنية شاملة وإجراءات لتطبيق الحق في السكن الملائم. وتمّ تقديم الوثيقة إلى الحكومة اللبنانية في العام 2018، لكنها لم تُعتمد رسمياً.

ينقسم التقرير الوارد في خارطة الطريق، التي حصلت “نداء الوطن” على نسخة عنها، إلى ثلاثة أجزاء: بدايةً، تشخيص الأزمة عبر رسم مظاهرها الرئيسة وتأثيراتها ومحركاتها، ثم عرض الركائز الاستراتيجية التي توجّه الإصلاح الطويل الأمد، ويختتم التقرير بالإجراءات الفورية التي يمكن أن تمهّد الأساس لاستراتيجية إسكان شاملة.

في الجزء الأول من التقرير، تمّ التطرق إلى كلفة الإيجار على المواطنين، فتبيّن أن نسبة الإيجار من نفقات الأسر في لبنان تتجاوز المعيار العالمي الموصى به، أي 30% من الدخل. ويواجه المستأجرون المستفيدون من قانون الإيجار القديم حتى عام 1992 الانتقال إلى أسعار السوق الحر بموجب قانون الإيجارات الصادر عام 2014 والمعدّل عام 2017، من دون مراعاة دخلهم أو مدة إشغالهم أو قدرتهم على تأمين بديل. كذلك، أدّى التضخم وانهيار العملة إلى تسعير الإيجارات بالدولار، فيما تبقى خيارات السكن الميسور والسكن العام محدودة أو شبه معدومة.

كلفة الكهرباء والمياه

تفاقم كلفة الكهرباء والمياه والمولدات والاتصالات الأعباء السكنية، خصوصاً منذ العام 2019، كما ورد في خارطة الإسكان، فيما يضعف الإطار التنظيمي أمن الحيازة بفعل العقود غير المسجّلة والشفهية والإخلاءات العشوائية. وتبقى الأحياء غير الرسمية ومخيمات اللاجئين عرضة للإخلاء والاستغلال والتمييز، في ظل غياب سياسات تسوية أوضاعها والحماية القانونية.

يعاني جزء كبير من المخزون السكني من التدهور ونقص الخدمات الأساسية، فيما يؤدي تقسيم الأبنية عشوائياً والاكتظاظ في التجمعات غير النظامية ومخيمات اللاجئين إلى تفاقم سوء ظروف السكن والفوارق داخل المدن. ويعيش اللاجئون والعمال المهاجرون غالباً في مساكن مكتظة، بينما تفتقر الكثير من المناطق، خصوصاً خارج المدن الكبرى، إلى البنية التحتية المناسبة. كذلك، تدفع كلفة السكن المرتفعة أسرًا إلى الأطراف، بما يزيد نفقات التنقل اليومية ويؤثر سلباً على جودة الحياة.

الركائز الاستراتيجية

بالنسبة إلى الركائز الاستراتيجية التي توجّه الإصلاح الطويل الأمد، ينبغي أن ينتقل لبنان، وفق خارطة الإسكان، من مقاربة متفرّقة وآنية إلى نظام سكني منسّق يستند إلى الحقوق. وتشكّل الركائز الواردة في التقرير ملامح استراتيجية وطنية شاملة للسكن، تحتاج إلى مزيد من التفصيل والتدقيق واختبارات الجدوى والنقاش العام خلال السنوات المقبلة.

الركيزة الأولى: إعادة هيكلة حوكمة الإسكان. تقضي هذه الاستراتيجية بإنشاء سلطة عامة موحّدة تتولى صياغة سياسات الإسكان وتنسيقها وتنفيذها، مع تعزيز صلاحياتها وقدراتها المالية والمؤسسية، وصولاً إلى توحيد المهام الإسكانية، بما فيها القروض والمساعدات. ويشمل ذلك التنسيق مع البلديات والإدارات العامة والسلطات المالية، والتعاون مع القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والدولية والجامعات، وتأمين تمويل مستدام.

الركيزة الثانية: توسيع العرض وتعزيز الوصول إلى السكن وتنظيم السوق. وهي تستهدف زيادة المساكن الميسورة وتنويع خياراتها بين الملكية والإيجار والتعاونيات والإسكان العام، من خلال إعادة تأهيل المباني الشاغرة والمتدهورة وغير المكتملة، وتحسين التجمعات غير الرسمية وخدماتها، وتحفيز القطاع الخاص عبر الحوافز الضريبية وإتاحة الأراضي العامة وفرض تخصيص وحدات ميسورة ضمن بعض المشاريع.

كما تشمل دعم الفئات الهشّة عبر الإسكان العام والمساعدات المستهدفة وقسائم الإسكان، وإمكان إعادة القروض المدعومة أو اعتماد الإيجار التملّكي، مع ضمان تكافؤ فرص الحصول على السكن. وتتطلب أيضاً دمج الإسكان في التخطيط الحضري، وتطوير الضرائب والحوافز، وتنظيم الإيجارات والعقارات، ومراقبة جودة المساكن والإيجارات قصيرة الأجل.

الركيزة الثالثة: تعزيز البيانات والمساءلة. وهي تتطلب إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحّدة ومحدّثة حول الإيجارات والشواغر وتكاليف السكن وظروفه، بالتعاون مع إدارة الإحصاء المركزي والبلديات والجامعات والمؤسسات العامة. كما تستلزم وضع مؤشرات أداء ونشر تقارير دورية، وإنشاء لجنة استشارية لدعم الابتكار والإصلاح المستمر.

الركيزة الرابعة: الإسكان الطارئ. يقضي المقترح بوضع إطار للاستعداد للنزاعات والكوارث والنزوح، يضمن المأوى المؤقت والانتقالي للأسر المتضررة، ويسهم في إعادة إعمار المساكن والأحياء، خصوصاً في جنوب لبنان والمناطق المتأثرة بالأزمات.

الإجراءات الفورية

يوصى بتعزيز دور المؤسسة العامة للإسكان مؤقتاً، إلى حين إنشاء وزارة للإسكان أو للمدن، عبر مراجعة مهامها وتوحيد المؤسسات والبرامج الإسكانية ضمنها، وتعزيز التنسيق مع البلديات والجهات الحكومية وغير الحكومية، وتأمين مصادر تمويل مستدامة.

ويشمل توسيع المعروض السكني، إلغاء الإعفاءات الضريبية عن الوحدات الشاغرة، وتحفيز ترميم المباني، ودعم التعاونيات، وتوجيه المساعدات الدولية نحو تطوير الأحياء، ومساندة المستأجرين، ودراسة استثمار الأراضي العامة بالشراكة مع القطاع الخاص أو الجهات غير الربحية، وتطوير الإسكان العام للفئات الأكثر ضعفاً.

كذلك، يُقترح توحيد قواعد البيانات، وتشكيل فريق استشاري وطني ودولي، وإعداد خطة طوارئ تتيح توفير المأوى وإعادة الإعمار، مع دراسة منح المؤسسة والسلطات المحلية صلاحيات استثنائية للتدخل.

مصادر التمويل

من أجل تنفيذ أي استراتيجية إسكان، يتعين على الحكومة ترجمة التزامها بالحق في السكن إلى تخصيص تمويل عام يدعم تنفيذ استراتيجية وطنية للإسكان، بما في ذلك الإجراءات الفورية. وإلى جانب المخصصات الواردة من الموازنة العامة، يمكن اعتماد إعفاءات ضريبية لصالح الشركاء من القطاع الخاص الذين يشاركون في إنتاج مساكن ميسورة الكلفة أو ذات دخل مختلط. كما يمكن توجيه نسبة من الضرائب التي تؤثر على قطاع الإسكان إلى الجهة العامة المختصة، مثل ضريبة الشغور، ورسوم رخص البناء، ورسوم تسجيل الملكية، وذلك دون المساس بالمبادئ الأساسية للتخطيط العمراني أو بالضمانات المالية اللازمة لحماية الصالح العام.

هذا غيض من فيض من ورقة خارطة الإسكان التي تتألف من 30 صفحة والتي تنفصل عن قرار المباشرة بمنح القروض السكنية. هذه الخارطة في حال الموافقة عليها، يمكنها أن تتحوّل الى إطار رسمي للسياسة الإسكانية في لبنان، تحدّد الأولويات وآليات التنفيذ، وتؤسّس لمعالجة أزمة السكن على المدى الطويل، وبدأنا نلمس مطالبات بوقف اعفاء الشقق السكنية الشاغرة من الضرائب ما يحثّ المالكين على بيعها فتتحرّك عجلة الشراء والبيع في السوق العقارية.

نداء الوطن – باتريسيا جلّاد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |