لبنان باقٍ على اللائحة الرمادية رغم كل الإجراءات فهل هناك تقصير؟

أبقت مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، لبنان، على اللائحة الرمادية للدول الخاضعة للرقابة المُعزّزة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وفق تقريرها الصادر في 30 تشرين الأول 2026. ورغم تسجيل بعض «الخطوات الإيجابية»، إلا أن المجموعة ما زالت تطالب لبنان بمعالجة عشرة اختلالات أساسية في منظومته المالية والقضائية والرقابية، وهي اختلالات سبق أن حدّدتها في خطة العمل الموضوعة منذ إدراجه على اللائحة في تشرين الأول 2024.
أُدرج لبنان على اللائحة الرمادية في 25 تشرين الأول 2024، في ظل الحرب الإسرائيلية والأزمة الاقتصادية والمالية المستمرة منذ عام 2019. وجاء هذا القرار بعد تقييم متبادل أُقرّ في أيار 2023، وكشف عن أوجه قصور في فعّالية أنظمة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وفي حينه، تعهّد لبنان بالتعاون مع مجموعة العمل المالي ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمعالجة هذه الاختلالات.
اللافت في هذا الأمر أنه رغم كل الإجراءات التي خضعت لها السلطة في لبنان والقرارات التي اتخذتها في مجال تطبيق الإملاءات الأميركية التي تقف وراء هذا التصنيف، إلا أن لبنان ما زال مُصنّفاً على هذه اللائحة. ما يعني أن السياسة المُتّبعة من الحكومة فشلت في رفع لبنان عن هذه اللائحة رغم الانبطاح الكبير تجاه الخارج. ومن المُفارقات الواضحة في هذا المجال، أنه في تشرين الأول 2026 أعلنت FATF خروج أربع دول من اللائحة الرمادية هي بلغاريا وساحل العاج وجمهورية الكونغو الديمقراطية وموناكو، علماً أن ساحل العاج أُدخلت ضمن هذا التصنيف في الوقت نفسه مع لبنان في تشرين الأول 2024، لكنها خرجت منها بعد عامين، فيما بقي لبنان مُدرجاً رغم اعتراف المجموعة بالخطوات التي اتخذها لتحسين منظومته المالية والرقابية.
تثير هذه المفارقة تساؤلات عن الأهداف السياسية الكامنة وراء استمرار الضغط المالي على لبنان، ومدى ارتباط بقائه على اللائحة بحسابات تتجاوز المعايير التقنية المُعلنة. فلبنان يتعرّض أصلاً لضغوط مالية واقتصادية متواصلة، تتداخل مع الضغوط السياسية الدولية، ولا سيما الأميركية. فهل يخدم استمرار التضييق المالي، أهدافاً سياسية لم تتحقّق بعد، خصوصاً أن إدراج لبنان على اللائحة يزيد حذر المؤسسات المالية الأجنبية في التعامل معه، ويعقّد علاقاته بالنظام المالي العالمي؟ ورغم أن لبنان لم يستكمل جميع المتطلبات، فإن المقارنة مع الدول التي خرجت من اللائحة تفتح النقاش حول مدى استقلال القرارات المالية الدولية عن المصالح السياسية للدول النافذة فيها، من دون أن تكون هذه المقارنة وحدها دليلاً على وجود قرار سياسي بإبقاء لبنان مُدرجاً.
وتعني اللائحة الرمادية أن الدولة تخضع لمراقبة دولية مُشدّدة بسبب وجود ثغرات استراتيجية في أنظمتها الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتلتزم بتنفيذ خطة إصلاحية ضمن مهل مُتفق عليها. ولا يترتب على هذا التصنيف فرض عقوبات مالية تلقائية أو منع التعامل مع مصارف الدولة المعنية. إنما توضح «فاتف» أنها لا تطلب من المؤسسات المالية الدولية تطبيق إجراءات تدقيق مُعزّزة بصورة تلقائية على الدول المُدرجة، وتدعو إلى اعتماد مقاربة تتناسب مع المخاطر، وعدم عرقلة التحويلات والمساعدات الإنسانية.
عملياً، يمكن لهذا التصنيف أن يزيد حذر المصارف والمؤسّسات المالية الأجنبية في التعامل مع البلد المعني، وأن يرفع كلفة الامتثال والتدقيق في التحويلات والمُعاملات العابرة للحدود. وتكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، حيث يعاني القطاع المصرفي أصلاً من أزمة ثقة، فيما يعتمد الاقتصاد بدرجة كبيرة على التدفّقات المالية من الخارج، ولا سيما تحويلات المغتربين.
الجديد في التقييم الأخير هو اعتراف المجموعة بإجراءات اتخذها لبنان، شملت إصدار تعليمات لتطبيق العقوبات المالية المُستهدفة من دون تأخير، وتنظيم برامج توعية وتدريب للمؤسّسات المالية والمهن والأعمال غير المالية التي تعاني ضعفاً في فهم التزاماتها. لكنّ هذه الإجراءات بقيت محدودة قياساً إلى حجم الإصلاحات المطلوبة، إذ إن البنود العشرة ما زالت مُدرجة ضمن خطة العمل التي يتعيّن على لبنان استكمالها.
وتتركّز أبرز الملاحظات على فعالية ملاحقة جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. فقد طالبت المجموعة بزيادة مُستدامة في التحقيقات والمُلاحقات والأحكام القضائية بما يتناسب مع حجم المخاطر، وتحسين استخدام المعلومات التي تنتجها وحدة المعلومات المالية، أي هيئة التحقيق الخاصة في لبنان، فضلاً عن تعزيز التعاون القضائي الدولي في تسليم المطلوبين واسترداد الأصول. كذلك شدّدت على ضرورة تطوير آليات تعقّب الأموال غير المشروعة ومُصادرتها، بما يشمل حركة النقد والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة عبر الحدود.
وتتصل مجموعة أخرى من المطالب، بالرقابة على الأنشطة الاقتصادية، ولا سيما التحقق من هوية المستفيدين الفعليين من الشركات، وتحديث بياناتهم، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين. كما دعت المجموعة إلى تشديد الرقابة على المهن والأعمال غير المالية، وتحسين تطبيق العقوبات المالية المُستهدفة، ومراقبة الجمعيات غير الربحية الأكثر عرضة لمخاطر الاستغلال في تمويل الإرهاب، من دون تعطيل أنشطتها المشروعة. وشملت المطالب أيضاً تقييم المخاطر المُحدّدة لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب ووضع التدابير اللازمة للحدّ منها.
ويشير استمرار لبنان على اللائحة الرمادية إلى أن التقدّم في إصدار التعليمات والتدريب لم يكن كافياً حتى الآن لإقناع المجموعة بفعالية المنظومة المعنية. فالمعيار الذي تركّز عليه المجموعة يتجاوز وجود القوانين والإجراءات إلى النتائج العملية، من تحقيقات وأحكام ومُصادرات ورقابة قادرة على كشف المخالفات ومعاقبة مرتكبيها. وهذا ما يُبقي لبنان تحت المتابعة الدولية، ويضيف عاملاً آخر إلى الصعوبات التي تواجه علاقاته المالية مع الخارج، في وقت يحتاج فيه إلى إعادة بناء الثقة بقطاعه المالي.
ماهر سلامة – الاخبار




