أخبار محلية

إعرف عدوّك… الوقت

تستيقظ، تذهب إلى العمل، تعود، تتصفّح هاتفك، تنام… وفجأة، تجد أنّ شهرًا كاملًا قد مرّ من دون أن تفعل شيئًا يُذكر. شعور يراود معظم اللبنانيّين اليوم: الوقت يمرّ بسرعة جنونيّة. فما السبب؟ وهل يمكننا إبطاءه؟
تشرح الاختصاصيّة في علم النفس دانيال الجميّل رزق، في حديث خاصّ إلى موقع MTV، أنّ “وراء هذا الإحساس مجموعة من العوامل النفسيّة والسلوكيّة، أبرزها الضغط النفسي المزمن، والروتين اليومي، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب القلق والتفكير المفرط”.

وتضع رزق الضغط النفسي المزمن في مقدّمة الأسباب، خصوصًا في ظلّ الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والصحيّة التي يعيشها اللبنانيّون، موضحةً أنّ “الإنسان بات في حالة استنفار وتوتّر دائمين، ولا يفكّر إلّا بما ينتظره غدًا، وكيف سيواجه تحدّياته، ويؤمّن مستقبل أولاده، ويتجاوز مشاكله”.

وتلفت إلى أنّ “عقلنا لم يعُد يفعل شيئًا سوى التفكير في المستقبل. نحن نعيش في المستقبل وفي طريقة حلّ المشاكل، ونسينا أن نعيش في الوقت الحاضر. تركيزنا كلّه منصبّ على تخطّي يوميّاتنا وحماية أنفسنا من هذه الضغوط. بمعنى آخر، نحن لا نعيش أيامنا بقدر ما نحاول النجاة منها”.

أمّا العدوّ الثاني، فهو الروتين والتكرار. نستيقظ، نذهب إلى العمل، نعود إلى المنزل، نمضي ساعات أمام الهاتف، ثم ننام… ونعيد المشهد نفسه في اليوم التالي. وتشرح رزق أنّ غياب التجارب الجديدة والأحداث المختلفة يجعل الدماغ أقلّ قدرة على تسجيل ذكريات مميّزة. وعندما تتشابه الأيام إلى حدّ كبير، ننظر إلى الوراء فلا نجد محطّات كثيرة نتذكّرها، فيتولّد لدينا إحساس بأنّ الوقت مرّ بسرعة.

ويتمثّل العامل الثالث، بحسب الاختصاصيّة في علم النفس، في وسائل التواصل الاجتماعي، التي تسرق ساعات طويلة من يومنا من دون أن ننتبه، مؤكّدةً أنّنا “نعتقد أنّنا سنمضي بضع دقائق على الهاتف، لنكتشف لاحقًا أنّ ساعات قد مرّت. والنتيجة ليست مجرّد ضياع للوقت، بل تراجع في التركيز، وتشتّت في الانتباه، وابتعاد متزايد عن اللحظة التي نعيشها”.

وتضيف إلى ذلك الـOverthinking، أي التفكير المفرط، الذي يستنزف طاقتنا الذهنيّة ويغذّي القلق، خصوصًا عندما نقارن أنفسنا بالآخرين ونشعر بأنّنا لا نحقّق ما يكفي، أو أنّنا متأخّرون عن الحياة.

وتقول: “هكذا، ينشغل عقلنا بالقلق والمقارنات والمشكلات، فيما تتراجع قدرته على التقاط اللحظات الجميلة وتسجيلها. وعندما ينتهي الشهر، نشعر بأنّنا لم نفعل شيئًا يُذكر، لأنّنا أمضينا معظم أيامه في دوّامة التفكير والتوتّر”.

ما الحلّ؟ كيف نُبطئ الوقت؟

تشدّد دانيال الجميّل رزق على أنّنا لا نستطيع إيقاف الساعة أو تغيير سرعة مرور الوقت، لكنّنا نستطيع تغيير الطريقة التي نعيشه بها، وتقدّم مجموعة من الخطوات العمليّة:

أوّلًا: عِش اللحظة واخرج من دائرة التكرار

تدعو إلى خوض مغامرات وتجارب جديدة، والبحث عن شغف حقيقي، حتى لو لم يكن مرتبطًا بالمال أو المردود المادي. فوجود شغف في حياتنا يمنح أيامنا معنىً، ويكسر رتابة الروتين، ويجعلنا أكثر حضورًا وتفاعلًا مع ما نعيشه.

ثانيًا: أعطِ العلاقات الإنسانيّة مكانتها

فالتواصل الحقيقي مع الآخرين، وقضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، ومشاركة اللحظات والتجارب معهم، أمور تصنع ذكريات راسخة، وتمنح الحياة تفاصيل لا يمكن للهاتف أو العالم الافتراضي أن يعوّضاها.

ثالثًا: اكتب… لتُفرّغ عقلك من الضجيج

تنصح رزق بممارسة الـJournaling، أي تدوين الأحداث والأفكار والمشاعر اليوميّة، والتفكير في كيفيّة التعامل معها بطريقة أفضل، أو التخفيف من القلق الذي يمنعنا من التركيز على الحاضر. فالكتابة تساعدنا على تفريغ ما يثقل عقولنا، وفهم أنفسنا ومشاعرنا بصورة أوضح.

وتختم بالتشديد على أنّ المشكلة ليست في الساعة، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع حياتنا، قائلةً: “نحن المشكلة. نحن لا نعيش اللحظة. لا يمكننا إيقاف الساعة، لكن يمكننا إيقاف الطريقة التي نعيش بها الوقت وتغييرها”، داعيةً إلى التعلّم من التجارب، وعدم تأجيل الحياة إلى حين تحسّن الظروف أو وصولنا إلى مرحلة مثاليّة قد لا تأتي، بل إلى عيش كلّ يوم بيومه، بعيدًا عن أسر الماضي وقلق المستقبل. فالحياة لا تنتظر أن تنتهي أزماتنا، ولا أن تصبح ظروفنا مثاليّة. الحياة تحدث الآن.

الشهر يطير، والأسبوع يختفي، واليوم يمرّ كأنّه ساعة. نركض ولا نعيش. لماذا نشعر بأنّ الوقت يسرقنا؟ الجواب ليس في الساعة، بل في أذهاننا. فالضغط والروتين ووسائل التواصل الاجتماعي والقلق المزمن جعلت أدمغتنا تتوقّف عن تسجيل تفاصيل الحياة.

ماريّا طراد – Mtv

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |