«الاستراتيجية الوطنية لحقوق ودمج المعوّقين»: ثلاث سنوات ضائعة

أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية في السراي الحكومي أمس «الاستراتيجية الوطنية لحقوق ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة»، التي تشكّل مرجعاً لضمان حقوق هذه الفئة وحرياتها، وخارطة طريق يُفترض أن تعتمدها الحكومة لترجمة أحكام الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى سياسات وإجراءات عملية، بما يكفل لهم حياة كريمة قائمة على الإنصاف والمساواة والعدالة الاجتماعية.
وعلى أهمية هذه الخطوة، إلا أن الاستراتيجية تعود إلى عام 2023، فيما جرى التعامل معها خلال حفل إطلاقها وكأنها وُلدت اليوم. وأُعلن بدء تنفيذها في فترة ستمتد من عام 2026 إلى عام 2030، من دون أن يشير أيّ من المسؤولين إلى السنوات الثلاث التي اختُزلت من عمرها، وهي سنوات كانت تشكّل، بحسب ما تنص عليه الاستراتيجية نفسها، المرحلة الأولى المُخصّصة للتخطيط والعمل. وهذا ما يثير تساؤلات جدّية حول ما ينتظر الاستراتيجية خلال السنوات الأربع المتبقّية من عمرها.
صحيح أن السنوات الثلاث الماضية كانت مُثقلة بالأزمات والتحدّيات، بما فيها الحرب الإسرائيلية، والتي قد تعيق تطبيق الاستراتيجية. لكنها شكّلت، في الوقت نفسه، فرصة لاختبار مدى التزام الدولة بمضامينها ومبادئها، ولا سيما في ما يتعلق بوضع حدّ لتهميش الأشخاص ذوي الإعاقة وضمان حقوقهم. غير أن طريقة التعاطي مع ملف النزوح، وخصوصاً أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة خلاله، تثير تساؤلات جدّية بشأن استعداد الدولة لترجمة هذه الالتزامات إلى أفعال، وتجعل السنوات الثلاث التي سبقت إطلاق الاستراتيجية مؤشراً لا يدعو إلى التفاؤل حيال مصيرها في المرحلة المقبلة.
مُغالاة في التفاؤل
ولا تكمن المشكلة في تأخير تنفيذ الاستراتيجية بحدّ ذاته، وإنما في غياب أي توضيح للرأي العام وللمعنيين بشأن ما أُنجز خلال السنوات الثلاث الماضية، وما الذي حال دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. ويعكس ذلك نهجاً حكومياً في التنصّل من المسؤولية وتغييب المُساءلة، مقابل الحرص على تسجيل الإنجازات تحت الأضواء، وفي حضور رسمي، وعلى وقع خطابات رنّانة، احتفاءً باستراتيجية وصفها رئيس الحكومة نواف سلام بأنها «ليست استراتيجية وزارة واحدة ولا وثيقة قطاعية تضاف إلى وثائق الدولة، بل التزام من الدولة اللبنانية تجاه مواطنيها». كذلك، غالت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد في تفاؤلها، يوم إقرار الاستراتيجية في 26 شباط الماضي، التي اعتبرتها «تحوّلاً وطنياً حقيقياً». وأضافت أنه «للمرة الأولى، يتم إقرار إطار جامع وموحّد يضع حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في صلب السياسات العامة، ويكرّس الشمولية كخيار حكومي واضح لا رجعة عنه».
السيد تتعامل مع الاستراتيجية باعتبارها إنجازاً يُضاف إلى سجلّها، من دون أن تفسح المجال أمام الجهات التي ساهمت في إعدادها لتسجيل دورها، ولا سيما ممثلي الجمعيات والمنظمات المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين شعروا، بحسب تعبير الناشط إبراهيم عبد الله، بأنهم «استُبعدوا»، رغم مساهمتهم الأساسية في صياغة الاستراتيجية، والدور المُنتظر منهم في مرحلة تنفيذها.
ولاحتواء الاعتراضات، أفسح المنظّمون المجال أمام عبد الله للتحدث باسم هؤلاء، باعتباره أحد المشاركين مباشرةً في إعداد الاستراتيجية.
من حيث المبدأ، إطلاق الحكومة هذه الاستراتيجية يُعدّ خطوة مهمة، نظراً إلى غياب رؤية وطنية شاملة تحدّد السياسات وآليات التعاطي مع قضايا الإعاقة. فالأشخاص ذوو الإعاقة يشكّلون، بحسب التقديرات، نحو 10% من مجموع السكان في لبنان، وتقدّر «منظمة الصحة العالمية» عددهم بأكثر من 400 ألف شخص. ويواجه هؤلاء عوائق سلوكية ومؤسّسية ومادية تحول دون تمتعهم بحقوقهم ومشاركتهم على قدم المساواة في مختلف جوانب الحياة، ولا سيما في مجالات الصحة والتعليم والعمل والنقل، فضلاً عن محدودية فرص مشاركتهم السياسية والعامة. كما يعانون من أشكال متعدّدة من التهميش والإقصاء والتمييز، ويتعرّضون للعنف والاستغلال.
ماذا تتضمّن الاستراتيجية؟
وتنطلق الاستراتيجية من هدف أساسي يتمثل في إقرار التشريعات التي تضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتفعيلها، في ظل قصور الإطار القانوني القائم عن توفير الحماية اللازمة لهم. فمعظم التشريعات اللبنانية لا تراعي خصوصية أوضاع هذه الفئة، ولا تنص على آليات واضحة لحماية حقوقها، بل لا يزال بعضها يستخدم مصطلحات تنطوي على إساءة وتمييز، مثل «أصحاب العاهات». أمّا القانون 220/2000 المتعلق بحقوق الأشخاص المعوّقين، فلم يعد يواكب التطورات التي كرّستها الاتفاقية الدولية والاستراتيجية الوطنية، إذ يغفل حقوقاً أساسية، ولا سيما الحق في العيش المستقل والاندماج في المجتمع، وتكوين أسرة والإنجاب، فضلاً عن أن قسماً كبيراً من أحكامه لم يوضع موضع التنفيذ.
وفي هذا السياق، يوضح عبد الله، الذي كلّفته السيد بمتابعة ملف التشريع ضمن الاستراتيجية، أن «فريقاً مؤلفاً من أربعة محامين تشكّل للبحث في الخيار الأنسب، سواء تعديل القانون 220/2000 وإدخال إصلاحات عليه، أو إعداد قانون جديد، ولم يُحسم الأمر بعد، بانتظار تحديد الثغرات القائمة وتقييم حجمها، وما إذا كانت تستدعي إصدار تشريع جديد». ويشير إلى أن «هناك ميلاً وتفضيلاً لخيار التعديل اختصاراً للوقت، إذ إن إقرار قانون جديد يستلزم مساراً طويلاً من القراءة وإبداء الملاحظات ومناقشته في اللجان النيابية». وللسبب نفسه، أي اختصار الوقت، استُبعد خيار تعديل التشريعات العامة وإدماج حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف القوانين، لمصلحة حصر معالجتها ضمن تشريع موحّد.
وتولي الاستراتيجية أهمية خاصة لمسألة تقييم الإعاقة، باعتبارها خطوة أساسية لتحديد الاحتياجات الفردية وضمان الوصول إلى الخدمات المناسبة. ويشمل ذلك تطوير آليات تقييم تأخذ في الاعتبار نوع الإعاقة ومستواها، بدلاً من حصرها في القصور العضوي، كما هو معمول به حالياً، واعتماد مُقاربة ترتكز على الأداء الوظيفي ومدى تأثير العوائق المحيطة في قدرة الشخص على ممارسة أنشطته والمشاركة في المجتمع. وفي هذا الإطار، سيتولى عبد الله متابعة ملف التقييم بالتعاون مع «منظمة العمل الدولية».
وتؤكد الاستراتيجية من خلال محاورها العشرة، أهمية ضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز دمجهم في مختلف جوانب الحياة، على مستوى التعليم والصحة والعمل، ولا سيما في ظلّ ارتفاع معدّلات البطالة بينهم، إلى نسبة بلغت 80%، كما تشير بيانات برنامج تأمين حقوق المعوّقين التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية لعام 2021. كما تدعو الاستراتيجية إلى تأمين العيش الكريم والمستقل للأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف مراحل حياتهم، من خلال برامج داعمة ونظام حماية دامج يحميهم من التمييز والإساءة والاستغلال. وتنص على ضرورة تهيئة البيئة المكانية وتسهيل الوصول إلى المعلومات والخدمات العامة، إضافة إلى تعزيز ثقافة الدمج وقبول الاختلاف، وضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة السياسية والعامة، والحياة الثقافية، بما يكرّس حقهم في المواطنة الكاملة والمساواة وتكافؤ الفرص.
يبقى التحدّي الأساسي في تحويل الاستراتيجية من نصوص نظرية إلى سياسات وإجراءات قابلة للتطبيق، وهو ما يتطلب، قبل أي شيء، إرادة سياسية جدّية والتزاماً حكومياً يتجاوز الخطابات والاحتفالات. ويبرز التمويل بدوره كعقبة أساسية، إذ إن إعداد الاستراتيجية نفسها جرى بتمويل من مؤسسة ألمانية هي «فريدريش إيبرت» (FES)، عبر «مركز الدراسات اللبنانية» (CLS)، وبالشراكة مع «صندوق الأمم المتحدة للسكان» (UNFPA). أمّا تنفيذها، فيحتاج إلى موارد مالية ضخمة تتجاوز قدرة جهة واحدة على تأمينها، ما يفرض البحث عن مصادر تمويل مُستدامة، مع مراعاة الواقع الاقتصادي والمالي في لبنان وتراجع التمويل الدولي.
المصدر: زينب حمود – الاخبار




