“لا أحد هنا مؤيد لإسرائيل”… كيف بدأ تابو السلام يتصدّع في لبنان؟

في تحول غير مسبوق داخل المشهد السياسي اللبناني، بدأت كلمات مثل “السلام” و”التطبيع” و”العودة إلى اتفاق الهدنة لعام 1949″ تُطرح علناً في بيروت، بعدما كانت حتى وقت قريب تُعتبر من المحرمات السياسية التي قد تكلّف أصحابها أثماناً باهظة، وسط تعب داخلي متزايد من الحرب وتراجع قدرة “حزب الله” على ضبط النقاش العام كما في السابق.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن شكّل لحظة استثنائية في الحياة السياسية اللبنانية، بعدما بدأ الحديث يتسلل تدريجياً عن إمكان إنهاء حالة الحرب، ولو بحذر شديد.
وأشار التقرير إلى أن رئيس الجمهورية جوزيف عون يتعامل بحذر مع هذا الملف، إذ يتجنب الحديث المباشر عن “السلام” أو “التطبيع”، ويقدّم المفاوضات الحالية على أنها محاولة لإنهاء الحرب في جنوب لبنان وتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية، مع التركيز على العودة إلى اتفاق الهدنة الموقع عام 1949 بدلاً من اتفاق سلام كامل.
ووفق التقرير، نجح عون أيضاً في تفادي ضغوط أميركية كانت تدفع نحو عقد لقاء علني مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض ينتهي بصورة مشتركة، مفضلاً انتظار أي اختراق فعلي في المفاوضات قبل الإقدام على خطوة مماثلة.
أما رئيس الحكومة نواف سلام، فاختار هو الآخر خطاباً مدروساً، رغم قوله في مقابلة مع “العربية” إن لبنان “منفتح على اتفاق سلام مع إسرائيل” إذا تحققت شروطه، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وسارعت أوساط سلام، بحسب التقرير، إلى توضيح أن كلامه جاء ضمن إطار مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي تنص على اعتراف عربي شامل بإسرائيل مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية.
ونقل التقرير عن كريم بطر، المحاضر في معهد “سيانس بو” في باريس، قوله إن أي تقدم نحو وقف الحرب والعودة إلى اتفاق 1949 يتطلب أولاً تخلي إسرائيل عن الطموحات التوسعية وقبول وقف إطلاق النار، قبل الانتقال لاحقاً إلى نقاش أوسع حول التطبيع أو السلام.
واعتبر أن مجرد فتح هذا النقاش في لبنان اليوم يُعد تحولاً بحد ذاته، بعدما كان الأمر “غير قابل للتخيل” قبل عام واحد فقط.
وفي المقابل، أظهر التقرير حجم التوتر الداخلي الذي يرافق هذا النقاش، إذ يعارض “حزب الله” بشكل كامل فكرة نزع سلاحه أو إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
وبحسب التقرير، شبّه مسؤولون في الحزب الرئيس جوزيف عون بالرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي اغتيل بعد توقيع اتفاق السلام مع إسرائيل، فيما وُصف رئيس الحكومة نواف سلام بأنه “خائن” و”صهيوني”.
كما يلتزم رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف السياسي لـ”حزب الله”، خطاباً أكثر حذراً، عبر التركيز على العودة إلى اتفاق الهدنة لعام 1949 من دون الذهاب نحو الحديث عن سلام شامل.
ونقل التقرير عن الباحث مايكل يونغ، من معهد كارنيغي في بيروت، قوله إن بري يدرك أن استمرار الحرب يرهق البيئة الشيعية التي يستند إليها سياسياً، لذلك يؤيد بعض أشكال التفاوض، لكن من دون تجاوز الخطوط التي يرسمها “حزب الله”.
وفي موازاة ذلك، كشف التقرير عن انفتاح أكبر داخل بعض الأوساط المسيحية اللبنانية، حيث استضافت وسائل إعلام مثل “MTV Lebanon” و”This is Beirut” شخصيات إسرائيلية، بينها السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر ورئيس بلدية كريات شمونة أفيحاي شتيرن، رغم أن قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 لا يزال يحظر أي تواصل مع إسرائيليين.
وأشار التقرير إلى وجود تحركات داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية في واشنطن لإلغاء هذا القانون أو تعديله، بهدف حماية الشخصيات اللبنانية التي بدأت تكسر هذا الحظر عملياً.
لكن التقرير شدد على أن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة وجود تأييد شعبي لإسرائيل، إذ قال القيادي في حزب “القوات اللبنانية” بيار أبي عاصي إن “معظم اللبنانيين لا يمانعون هزيمة حزب الله على يد إسرائيل، لكن لا أحد تقريباً مؤيد لإسرائيل”.
وأضاف أن كلمة “التطبيع” ما تزال حساسة جداً داخل لبنان، لذلك يفضّل كثيرون الحديث عن وقف الأعمال العدائية أو العودة إلى اتفاق 1949 بدلاً من التطبيع المباشر.
أما رئيس حزب الكتائب سامي الجميل، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن المشكلة ليست في تسمية “سلام” أو “تطبيع”، بل في إنهاء حالة الحرب وتمكين لبنان من الاندماج في الاقتصاد الإقليمي.
وقال الجميل: “يجب أن نخاف من الحرب لا من السلام”، معتبراً أن الظروف الحالية تختلف عن مرحلة اتفاق 17 أيار عام 1983 الذي سقط لاحقاً تحت الضغط السوري والدولي.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن السعودية تلعب دوراً أساسياً في ضبط إيقاع هذا الملف، إذ لا تعارض الرياض المفاوضات مع إسرائيل، لكنها ترفض أن يذهب لبنان منفرداً نحو اتفاق سلام خارج الإطار العربي الأشمل المرتبط بالقضية الفلسطينية.
ونقل التقرير عن محللين أن الرسالة السعودية إلى بيروت تشبه تلك الموجهة إلى دمشق، ومفادها أن أي تسوية يجب أن تبقى ضمن مبادرة السلام العربية ومسار إقليمي أوسع.
ورغم أن المسافة ما تزال كبيرة بين النقاش السياسي الحالي وبين اتفاق سلام فعلي، فإن التقرير اعتبر أن شيئاً أساسياً تغيّر داخل لبنان، بعدما انتقل الحديث عن العلاقة مع إسرائيل من دائرة المحظور الكامل إلى النقاش السياسي العلني، ولو تحت عناوين مثل “اتفاق الهدنة” أو “وقف الحرب”.
ويعكس هذا التحول حجم التبدلات التي فرضتها الحرب في الجنوب، والضغط الأميركي، والتعب الشعبي، وتراجع صورة “حزب الله” لدى جزء من اللبنانيين، في لحظة سياسية تبدو فيها بيروت أمام نقاش لم يكن ممكناً حتى مجرد طرحه قبل أشهر قليلة.




