Featuredأخبار محلية

وسط التصعيد في لبنان… موقف أميركي حاسم

لم يُتَحْ للبنان أن «يلتقطَ أنفاسَه» في الأيام الثلاثة الفاصلةِ «بين المساريْن» الأمني والسياسي من المفاوضاتِ المباشرة مع اسرائيل التي تَجْري في واشنطن على وَهْجِ تَدَحْرُجِ كرة نار التصعيد الأعتى في كَنَفِ الهدنة «الصُوَريّة» ودومينو تَهاوي البلدات الجنوبية، إما تحت الأنقاض بالكامل وإما في قبضةِ تل أبيب التي تُوَسِّع حِزامَ الاحتلال «تحت لافتة» ما يَعتبره «حزب الله» الدفاعَ المَرِن الذي تلاشتْ سرديّتُه القائمة على منْع الدولة العبرية من الاستقرار والسيطرة الدائمة تحت وطأة مشهدية التوغلاتِ المتوالية جنوب الليطاني وشماله.

ذلك أن تَمَدُّدُ الحرب الضارية على جبهة لبنان، غاراتٍ سجادية من اسرائيل على الجنوب – لم توفّر «عروس البحر» صور – في موازاة استهدافاتٍ متدحرجة في البقاع الغربي وصولاً الى تخوم بيروت، ورشقاتٍ صاروخية وبالمسيّرات من «حزب الله» نحو شمال الدولة العبرية ومواقع تَمَرْكز الجيش الاسرائيلي في البلدات المحتلّة، لم يترك مجالاً كي تقوّم «بلاد الأرز» على البارد خلاصاتِ الجولة الأولى الماراثونية من المفاوضات الأمنية مع اسرائيل التي عُقدتْ يوم الجمعة على المستوى العسكري في مقر البنتاغون برعاية أميركية واستمرّت لنحو 9 ساعات.

طبول “المطاحنة”

وعلى وقع «قرقعة» طبول المطاحَنة التي تشتدّ على جبهة لبنان وتُكسر تباعاً حواجز جديدة فيها، على غرار محاولة اغتيال قائد الوحدة الصاروخية في «حزب الله» علي الحسيني في منطقة الشويفات (المدخل الجنوبي لبيروت)، لم يكن مُمْكِناً استخلاصُ نتائج انطلاق المسار الأمني من المفاوضات المباشرة إلا من وقائع الميدان وتصريحات كبار المسؤولين في واشنطن، والتي عَكَسَتْ حجم التعقيداتِ التي تَعترضُ الانتقالَ إلى وَقْفٍ شاملٍ للنار تُصرّ طهران على أنه من شروط الاتفاق الإطاري المحتمَل مع واشنطن ولكنها لا توقف مفاوضاتها المباشرة مع الولايات المتحدة حتى تحقيقه أولاً في الوقت الذي يدعو «حزب الله» الدولة اللبنانية للانسحابِ من مفاوضات واشنطن (يرفض مبدأها) حتى انتزاعِ التزامٍ شامل بالهدنة.

وفي حين مَضى «حزب الله» في ما اعتبرَه خصومُه مكابرةً وإمعاناً في اقتياد البلاد برمّتها إلى المحرقة الاسرائيلية، وصولاً لاعتمادِ إسقاطٍ خطير لعيد الأضحى المبارك على خياراته الخارجة عن قرارات الدولة، عبر اعتبار كتلته النيابية «ان المعنى الأسمى لهذا العيد هو في الاستجابة للتكليف الإلهي حتَّى لو تطلَّب الأمر التضحية بالأبناء»، وآخذاً في الوقت نفسه على لبنان الرسمي أنه يفاوض في واشنطن «منزوعَ أوراق القوة» التي فوّضها الحزبُ لإيران على طاولة اسلام اباد، فإنّ لا صوت كان يعلو السبت، فوق صوتِ المشهدَ الميداني المروّع في الجنوب الذي تتمدّد الأرض المحروقة فيه إلى ما بين النهرين (الليطاني والزهراني) منذرة بأن تطرق محيط نهر الأولي، ما لم يطرأ جديد يَكبح الاندفاعةَ العسكريةَ الاسرائيليةَ المستمرة رغم ارتقاء حزب الله في استهدافاته كَمّاً ونوعاً.

وبمعزل عما إذا كانت الموجةُ الأعنف من التصعيد المتبادَل في إطار الهدنة 3 (تستمر حتى مطلع تموز)، هي في سياقِ ترسيمٍ بالنار لقواعد الاشتباك الحاكمة لِما بعد أي مذكرة تفاهم محتمَلة بين واشنطن وطهران، أو إفراغٍ لأقسى «الحمولة» التفجيرية قبل تهدئةٍ على أساس الوقائع الميدانية الجديدة التي كرّستْها اسرائيل بالاحتلال (وإيران لا تشترط لتوقيع اتفاقها مع اميركا انسحاباً اسرائيلياً بل وقف القتال فعلياً)، فإنّ الدخان الذي تصاعد في جنوب لبنان وشمال الدولة العبرية، بدا واقعياً مزيجاً من «عضّ أصابع» ذات صلة بطاولة واشنطن التفاوضية التي لا يريد «حزب الله» نجاحها في شموليتها ولا تل ابيب في جزئيتها المتعلّقة بوقف الحرب قبل ضمان نزع سلاحه، ومن «تَفاوُضٍ بالسلاح» غير مباشر موصولِ بطاولة إسلام أباد وتعقيدات الأمتار الأخيرة منها.

المشهد الدراماتيكي

ولم يتطلّب الأمر عناء كبيراً لقراءة المشهد الدراماتيكي على جبهة لبنان على أنه بمثابة انعكاسٍ لانتهاءِ الجولة الأولى من المفاوضات الأمنية اللبنانية – الاسرائيلية في البنتاغون إلى عدم إحداث أي اختراقٍ، وسط خشية من أن يكون الدخان الذي لفّ الجنوب وبعض البقاع الغربي ومستوطنات في شمال اسرائيل وصولاً الى صفد بمثابة نُذُر حريقٍ بات يحاصر المفاوضاتِ بشقيّها السياسي، الذي يُستأنف الثلاثاء والأربعاء، كما الأمني، وسط عدم قدرة الدولة اللبنانية على التقدّم في أيّ من المساريْن المترابطيْن، وبتراتبيةِ الأمن مفتاح السياسة، ما لم تحصل أقلّه على هدنةٍ حقيقية، ولا على التراجع المشوب بخطر فقدان العامل الوحيد الذي ما زال يلجم تل ابيب عن الحرب الكبيرة، في الوقت الذي تواجه تصويب حزب الله «فوهاته» السياسية ضدّها مهدداً بارتدادٍ على الداخل لإسقاط الحكومة.

وجاء كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الاتصال الذي أجراه بالرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، بينما كانت المفاوضات الأمنية منعقدة في البنتاغون، الأكثر تعبيراً عن العقدة الأم في مجمل مسار التفاوض بجناحيه، وعن التموْضع الفعلي لواشنطن بإزاء التصعيد الاسرائيلي الحالي و… اللاحق.

مطالب مُتبادلة

فبحسب بيان الخارجية الأميركية، أكد روبيو لعون أن «حزب الله يواصل محاولاته لتعطيل المحادثات بين لبنان واسرائيل على حساب الشعب اللبناني»، مشدداً على أن «الحزب يتحمل المسؤولية الكاملة عن القتال الدائر»، و«ضرورة أن يوقف هجماته واستفزازاته على الفور لتمكين تهدئة الوضع».

وهذا الموقف عَكَسَ الجانب الأبرز من مداولات جولة المفاوضات الأمنية، حيث تركّزت مطالب الوفد اللبناني على تثبيت وقف النار أولاً والانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة الأهالي، بالتوازي مع تأكيد التزام الجيش اللبناني استكمال تطبيق خطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، في مقابل تركيز الجانبِ الاسرائيلي على حق حماية نفسه بوجه «تهديدات حزب الله» وهجماته ووجوب تقديم مسار واضح وممنهَج ومجدْوَل في شأن سحْب سلاح «حزب الله» على أن يكون ذلك مدخل للانسحاب.

الراي الكويتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |