أخبار محلية

عندما أدار الرئيس برّيّ ظهره لقاموس “الحزب”

زياد عيتاني – اساس ميديا
سأل رجل له حيثيّته في المطابخ السياسيّة اللبنانيّة أحد قياديّي “الحزب”: من أجل كابلات الاتّصالات الأرضيّة قمتم باحتلال بيروت ومحاصرة السراي الحكوميّ عام 2008، فما بالكم اليوم، مع اتّفاق لبنانيّ – إسرائيليّ – أميركيّ، تكتفون ببضع درّاجات ناريّة وإحراق إطارات مطّاطيّة تحت جسر المشرفيّة وعند مدخل نفق سليم سلام؟ فأطرق القياديّ في “الحزب” متأمّلاً قبل أن يجيب قائلاً: “كلّ شيء بوقته حلو.”

ثلاث ملاحظات يجب التوقّف عندها مليّاً تتعلّق بالحراك الاعتراضيّ الذي قام به أنصار “الحزب” في بيروت والضاحية الجنوبيّة بعد إعلان اتّفاق المبادئ بين لبنان وإسرائيل من واشنطن.

1- غابت رايات وأعلام حركة “أمل” عن جميع الاعتراضات في الضاحية الجنوبيّة وبيروت.

2- “الحزب” الذي أعلن العصيان وإسقاط الشرعيّة عن السلطة عبر النائب حسن فضل الله، داعياً أنصاره إلى التظاهر والاعتراض، عاد ونفى أن يكون ما حصل قد جاء بأمر رسميّ منه، واضعاً إيّاه تحت عنوان “الاعتراض الشعبيّ العفويّ”.

3- اقتصر التحرّك بشكل رئيس على جسر المشرفيّة في الضاحية الجنوبيّة، وعند نفق سليم سلام في بيروت، بحضور أعداد هزيلة لا يمكن وصفها بأنّها تعكس رفضاً شعبيّاً أو جماهيريّاً واسعاً.

يشير ذلك إلى أنّ قدرة “الحزب” على التحرّك على الأرض تقلّصت كثيراً، بل كثيراً جدّاً.

أكّدت مصادر دبلوماسيّة عربيّة لـ”أساس” أنّ ضرب بيروت ومرافق الدولة ومؤسّساتها هو خطّ أحمر أميركيّ، ولا يُسمح لأحد بتجاوزه أو الاعتداء عليه. فكما منعت الولايات المتّحدة بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيليّ من استهداف العاصمة اللبنانيّة والمرافق الرسميّة فيها، فلن تسمح لأيّ طرف آخر، وتحديداً إيران أو “الحزب”، بالقيام بذلك.

يختم المصدر الدبلوماسيّ لـ”أساس” بأنّ بيروت ومؤسّسات الدولة باتت تحت مظلّة سياسيّة وأمنيّة أميركيّة، ومن يمسّ بها فسيجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الولايات المتّحدة الأميركيّة.

الرّئيس برّي كان على علم

تصرّف الرئيس نبيه برّي على عادته بحكمة ودراية مع الحدث الكبير الآتي من واشنطن، فكانت تعليماته واضحة، وفق أوساط مقرّبة من عين التينة، إلى القيادات السياسيّة والميدانيّة في حركة “أمل” بعدم التورّط في أيّ حراك في الشارع ضدّ الحكومة أو اتّفاق واشنطن لأنّ الحكومة حاجة لجميع الأطراف، وبخاصّة للطائفة الشيعيّة، ولا يمكن إسقاط هذه الحكومة إلّا بقرار خارجيّ، والإرادة الدوليّة لإسقاطها غير متوافرة في هذه الأيّام.

يدرك الرئيس برّي أنّ ورقة تفاهم واشنطن هي أفضل الممكن في هذه المرحلة، فهو الأعلم بالتضاريس العسكريّة والسياسيّة في الجنوب، وكلّ قرية جنوبيّة يحتلّها الجيش الإسرائيليّ تعني الكثير في غرف المفاوضات والنقاشات السياسيّة. وما احتلال الجيش الإسرائيليّ لتلّة عليّ الطاهر، قبل ساعات من توقيع ورقة التفاهم، إلّا رسالة أمنيّة وعسكريّة دقيقة جدّاً تلقّفها الرئيس برّي وقرأها جيّداً.

تجلّت حكمة الرئيس نبيه برّي في البيان المقتضب الذي صدر عنه بعد ظهر أمس، ووجّه فيه نداءً إلى اللبنانيّين محذّراً من مخاطر الفتنة. قال برّي: “أهلي في لبنان، كلّ لبنان، إنّها الفتنة”، مستشهداً بالقول المأثور “كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب”، في دعوة إلى عدم الانجرار وراء الانقسامات والتوتّرات.

هل يقتنع “الحزب”؟

مضيعة للوقت التفكير في ما إذا كان “الحزب” سيقبل بورقة التفاهم أم سيعمد إلى التحرّك لإسقاطها في الشارع، وذلك لسببين:

1- قرار “الحزب” الميدانيّ ليس بيد قيادته المحليّة، أي الأمين العامّ الشيخ نعيم قاسم، بل بيد الحرس الثوريّ الإيرانيّ بقيادة أحمد وحيدي.

2- لم يعد “الحزب” قادراً على قيادة الانقلابات، بل إنّ أقصى ما يمكنه فعله هو القيام ببعض أعمال الشغب في شارع أو شارعين ضمن بيروت وضواحيها، وهو يدرك أنّ القوى الأمنيّة الرسميّة قادرة على ضبط هذه التحرّكات إذا أرادت وقرّرت.

على خلفيّة كلّ ذلك، أقصى ما يمكن أن يقوم به “الحزب” هو انتظار ما ستفعله طهران، على قاعدة مقولة الراحل الكبير نهاد قلعجي، المعروف بـ”حسني البورظان”: “إذا أردت أن تعرف ماذا يجري في بيروت، فعليك أن تعرف ماذا يحصل في طهران.”

يبقى التحدّي أمام الدولة بكلّ أجهزتها، وتحديداً الجيش اللبنانيّ. فالمناطق التجريبية ليست اختباراً لـ”الحزب”، وهو المعروف بنيّاته ورغباته، بل هي اختبار للجيش اللبنانيّ. هل هو قادر؟ وقبل ذلك، هل هو راغب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |