لبنان “منطقة تجريبيّة”… ماذا بعد اتّفاق 26 حزيران؟

بقدر ما شَهد الداخل اللبنانيّ احتضاناً رئاسيّاً، تحديداً من رئاستَي الجمهوريّة والحكومة الداعمتين لاتّفاق الإطار الثلاثيّ بين لبنان وإسرائيل، الموقّع برعاية أميركيّة، بقدر ما فُتِحت الأبواب واسعاً أمام تداعيات الـ14 بنداً على الساحة الداخليّة في ظلّ رفض مطلق لـ”الحزب” لـ”اتّفاق الاستسلام ورفض التجاوب معه”، ثمّ إعلان الرئيس نبيه برّي في اليوم التالي لـ”احتفاليّة” توقيعه في واشنطن أنّه “مشروع فتنة لم يُطلعه عليه أحد قبل نشره“.
أتى موقف “الحزب” واضحاً وسريعاً من اتّفاق الإطار الثلاثيّ Trilateral Framework : “ما رح يقدروا يطبّقوا شي. وخلّلي هيدي السلطة تجرّب حظّها بنزع السلاح”، على حدّ تعبير النائب حسن فضل الله. حرص الأخير فور إعلان مضمون الاتّفاق على التأكيد أنّ ما تمّ “دسّه في الإعلام من أنّ موقف لبنان في المفاوضات جرت صياغته في لقاءات عُقدت بين النائب فضل الله والمدير العامّ للأمن العامّ اللواء حسن شقير ومستشار رئيس الجمهوريّة العميد أندريه رحّال عار من الصحة”.
وفق المعلومات، لم ينفِ فضل الله حصول هذه الاجتماعات التي تمّت فعلاً، وكادت أن تؤدي إلى خروقات جدّيّة في العلاقة بين بعبدا و”الحزب”، لكنّ الأخير رفض ربطها بالتطوّرات المتسارعة التي أفضت إلى إعلان اتّفاق الإطار، الذي وصل نائب “الحزب” إلى حدّ التأكيد أنّ “تنفيذه لا يمكن أن يحصل إلّا من خلال حرب أهليّة”.
مع ذلك، حصلت تسريبات في الساعات الماضية تتحدّث عن مساعٍ حثيثة لجلوس السلطة و”الحزب” وجهاً لوجه من أجل توفير القنوات “الآمنة” لتنفيذ الاتّفاق، مع العلم أنّ كلّ مندرجاته تضع لبنان وإسرائيل وواشنطن في مواجهة الخصم المشترك “الحزب”. لكنّ “الوسيط” الأوّل بينهما، نبيه برّي، كان قد تموضع سريعاً ضدّ الاتّفاق كمن سحب يده من الوساطة ملوّحاً في الوقت نفسه بخطّ أحمر: التصدّي للفتنة.
يقول مصدر مطّلع لـ”أساس”: “الحزب لن يُسقِط الاتّفاق في الشارع، بل من خلال اعتباره غير موجود”. يتزامن ذلك مع إشارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون، بعد تلقّيه اتّصالاً ليل السبت من الرئيس دونالد ترامب، إلى احتمال قيامه قريباً بزيارة للولايات المتّحدة الأميركيّة.
برّي: اتّفاق كارثيّ
كان متوقّعاً موقف “الحزب” من اتّفاق يحمل الكثير من الألغام ويفترض أن يؤسّس لإطار أمنيّ ثلاثيّ مشترك قد يحكم الوضع الجنوبيّ لسنوات طويلة، ويُبقي الاحتلال الإسرائيليّ أمراً واقعاً مرتبطاً بتسليم آخر قطعة سلاح لـ”الحزب” و”تفكيك بنيته”. وهذا ما يُعلنه الإسرائيليّ جهاراً، وصولاً إلى حدّ تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو أنّ “واشنطن ولبنان وافقا على بقاء الجيش الإسرائيليّ في المنطقة الأمنيّة جنوب لبنان، وقد سيطرنا على منطقة الشقيف (شمال الليطاني) وسنبقى فيها”.
لاقى الرئيس نبيه برّي “الحزب” إلى نصف الطريق في موقف سياسيّ مختصر، وكان الأعلى سقفاً منذ بدء الحرب باعتبار أنّ “الاتّفاق هو الفتنة بعينها”. الاتّفاق نفسه، بتأكيد أوساط برّي، هو الذي أطاح باقتراح الرئيس برّي اعتماد الأقضية أو القطاعات (الشرقيّ، الأوسط، الغربيّ) لتكون نموذجاً للانسحاب الإسرائيليّ، و”خربط” أولويّات عين التينة وعلى رأسها “ضرورة فرض وقف إطلاق نار شامل وانسحاب متزامن من جنوب الليطاني”، إضافة إلى تغييب اتّفاق الهدنة، واتّفاق 27 تشرين الثاني 2024، وتغليب مطلب نزع سلاح “الحزب” على الانسحاب الإسرائيليّ الذي سيضع كرة النار في ملعب الجيش اللبنانيّ.
تضيف الأوساط: “رفض برّي بشكل قاطع السياق الذي تبنّاه الاتّفاق في شأن “المناطق التجريبيّة” التي ستعني تكريس الاحتلال لأمد طويل، وتضمّن سلسلة من الأخطاء في كلّ بند من بنوده ترقى إلى مستوى كارثة وطنيّة”.
وفق المعلومات، بقيت تفاصيل الاتّفاق على طاولة واشنطن ومداولاتها حصراً ملك القصر الجمهوريّ، ومؤرشفة في تقارير سرّيّة لم تعمّم على باقي الرئاسات ووزارة الخارجيّة، إلّا بما يسمح بـ”الاطّلاع العامّ والعناوين العريضة”.
اصطدمت مجمل هذه التطوّرات بتوتّر الجبهة العسكريّة الأميركيّة-الإيرانيّة مجدّداً، للمرّة الأولى منذ توقيع الاتّفاق بينهما في 17 تمّوز، ومواظبة إسرائيل على خروقاتها، قبل توقيع اتّفاق الإطار في واشنطن وبعده، مع تأكيد مستويَيْها السياسيّ والعسكريّ على البقاء في المنطقة الأمنيّة.
عون وسلام: مدخل لإنهاء النّزاع
تتمسّك رئاستا الجمهوريّة والحكومة بالاتّفاق، لا سيما أنّ الرئيس نوّاف سلام أجرى ربطاً تلقائيّاً بينه بين اتّفاق الطائف والقرار 1701 واتّفاق وقف الأعمال العدائيّة الذي وافق عليه “الحزب” في 27 تشرين الثاني 2024، كما وافق قبل على البيان الوزاريّ الذي تضمّن حصريّة السلاح، فيما لُبّ ردّ “الحزب” تجلّى بالمعادلة الآتية: “نتنياهو اتّفق مع من لا يملك القرار”.
تقول مصادر مطّلعة، ومؤيّدة للاتّفاق، إنّه “اللبنة الأولى لترتيبات أمنيّة سيتمّ لاحقاً التوقيع عليها، بموجب اجتماعات ثلاثيّة عسكريّة سيتمّ الاتّفاق على مكان انعقادها في دولة أخرى بعدما انتهت مهامّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في أن تكون مقرّاً استضاف جولات التفاوض الخمس، إضافة إلى الاجتماع الأمنيّ الوحيد بين الوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ في البنتاغون في 29 أيّار”.
تضيف المصادر أنّ اتّفاق 26 حزيران سيشكّل نقطة تحوّل كبيرة في النزاع اللبنانيّ – الإسرائيليّ، بغضّ النظر عن مفاوضات إسلام آباد والتوتّرات العسكريّة المرتبطة باتّفاقهما، وعن الكباش الأميركيّ – الإيرانيّ المستمرّ.
المناطق التّجريبيّة
في ما يخصّ إعلان نتنياهو بدء الانسحاب من “المنطقتين التجريبيّتين” في زوطر الغربيّة (قضاء النبطيّة) وفرون (قضاء بنت جبيل)، تقول أوساط عسكريّة لـ”أساس”: “في هاتين البلدتين لا يمكن الحديث عن حالة احتلال ظاهرة بقدر السيطرة العسكريّة الإسرائيليّة، وهما ليسا داخل عمق الخطّ الأصفر، و”الانسحاب” المفترض منهما لا يدلّ على جدّيّة إسرائيليّة. فبلدة فرون هي غرب وادي الحجير، جنوب الليطاني، وهي غير محتلٌة من قبل العدو الاسرائيلي. أمّا زوطر الغربيّة، شمال الليطاني، فيتواجد الاسرائيلي على أطرافها، فيما تمكٌن من احتلال زوطر الشرقية. وفي مطلق الأحوال إسرائيل تحاول فرض شروطها في كلّ تفصيل”.
ملاك عقيل – اساس ميديا




