رياضة

في تاريخ كرة القدم: لحارس المرمى دور ايضا … لماذا تحجب الاضواء عنه؟!

“أخبار اليوم”

تخيل هذا المشهد… في الدقيقة الأخيرة من مباراة في مونديال 2026، ينفجر الملعب فرحًا بعد هدف قاتل، تتصدّر صور المهاجم العناوين، وتُعاد اللقطة عشرات المرات، ويُكتب اسمه في كل مكان. لكن قبل تلك اللحظة بثوانٍ، كان هناك حارس مرمى أنقذ فريقه من انفراد محقق، وتصدى لكرة كانت كفيلة بإنهاء الحلم. لا أحد تقريبًا سيتحدث عنه.
هذه هي المفارقة التي تعيشها كرة القدم منذ بدايتها، لكنها تتجدد اليوم في مونديال 2026 بشكل أكثر وضوحًا. فبينما سرقت 215 هدفًا في دور المجموعات – الذي شهد 72 مباراة- وحده الأضواء والعناوين، بمعدل يقارب ثلاثة أهداف في المباراة الواحدة، بقي أصحاب القفازات خارج دائرة الشهرة، رغم أن كثيرًا من هذه الأهداف لم يكن ليصبح ممكنًا لولا لحظات سبقتُها من تصديات حاسمة.
في كرة القدم، لا تتوزع الشهرة بالتساوي، بل تميل بطبيعتها إلى من يصنع اللحظة الأكثر انفجارًا: الهدف. فالجماهير لا تتفاعل مع “المنع” كما تتفاعل مع “الحدث”. الهدف هو ذروة المشاعر: يسبقه ترقب، ثم يأتي انفجار الفرح، الاحتفالات، الإعادات، والعناوين العريضة. أما تصدي الحارس، مهما كان استثنائيًا، فهو لحظة صامتة تمنع حدثًا كان يمكن أن يقع، ولذلك يذوب سريعًا في ذاكرة الجمهور.
حتى لغة الأرقام تنحاز بوضوح للمهاجمين. الجميع يحفظ عدد الأهداف، يتابع سباق الحذاء الذهبي، ويقارن بين الهدافين، بينما تبقى أرقام الحراس -عدد التصديات الحاسمة، نسبة النجاح، أو الشباك النظيفة- في الظل. ولم يكن غريبًا أن يبقى Lev Yashin (1929-1990) الحارس الوحيد في التاريخ الذي توج بـBallon d’Or في العام (1963) رغم مرور أجيال كاملة من الحراس الذين صنعوا تاريخ أنديتهم ومنتخباتهم.
لكن المفارقة أن هذا التحيّز ليس رياضيًا فقط، بل نفسي وإعلامي أيضًا. فالإعلام يبحث عن القصة السريعة، واللقطة القابلة للإعادة، واللحظة التي تخلق تفاعلًا فوريًا. الهدف يملك كل ذلك، بينما التصدي يحتاج فهمًا أعمق لتقديره، وهو ما لا يحدث دائمًا مع الجمهور العام.
ومع ذلك، فإن مونديال 2026 يقدّم دليلًا مضادًا لهذه الفكرة. ففي بطولة هجومية بامتياز، شهدت دور المجموعات غزارة تهديفية لافتة، كان فيها الحارس أكثر تأثيرًا مما يظهر في الإحصاءات السطحية. لم ينجح سوى عدد محدود من المنتخبات في إنهاء هذا الدور بشباك نظيفة، أبرزها إسبانيا والمكسيك، في مشهد يؤكد أن الحفاظ على التوازن الدفاعي أصبح أصعب من تسجيل الأهداف في كرة القدم الحديثة.
ورغم كل هذا التطور، يبقى الحارس أسير معادلة قاسية: خطأ واحد قد يمحو تسعين دقيقة من التميز، بينما يمكن للمهاجم أن يضيع فرصًا كثيرة ثم يسجل هدفًا واحدًا فيتحول إلى بطل.
ولعل القصة الأشهر التي تلخص هذه العزلة هي قصة الحارس الإنجليزي ( Sam Bartram في 25 ديسمبر 1937) ففي إحدى المباريات التي توقفت بسبب الضباب الكثيف، غادر اللاعبون والحكم والجماهير الملعب دون أن يدرك أن المباراة انتهت، فبقي واقفًا في مرماه، يراقب ملعبًا فارغًا في صمت. قد تبدو القصة طريفة، لكنها تحولت إلى رمز لحارس المرمى: اللاعب الذي قد يبقى وحيدًا حتى عندما يغادر الجميع.
واليوم، ومع دخول مونديال 2026 مراحله الحاسمة، تتضاعف أهمية هذا المركز. ففي مباريات الإقصاء، قد يساوي تصدٍ واحد هدفًا، وقد تحدد ركلة جزاء مصدودة مصير أمة كروية كاملة. هنا يتحول الحارس من لاعب في الخلف إلى صانع مصير حقيقي، حتى وإن لم يعترف له المشهد بذلك دائمًا.
لذلك، ربما آن الأوان لإعادة النظر في العدالة الرمزية لكرة القدم. فالأهداف تصنع الاحتفالات والعناوين، لكن التصديات تصنع البطولات. وإذا كان الهداف يسرق الأضواء، فإن حارس المرمى هو من يحرس ما هو أهم: الحلم نفسه.
وفي النهاية، قد تسرق الأهداف العناوين… لكن عندما تُرفع الكأس، غالبًا ما يكون خلفها زوج من القفازات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |