سوق الإسمنت ينتظر المستوردين

لم تكن أزمة الإسمنت التي شهدها لبنان قبل أسابيع مجرّد ارتفاع في الأسعار، بل أتت بسبب هشاشة السوق المحلية وتداخل الاحتكار مع النفوذ السياسي وفوضى السياسات الحكومية. هكذا، تجاوز سعر مبيع طن الإسمنت للمستهلك 400 دولار، فيما باتت المادة شبه مفقودة في عدد من المناطق بعدما عمد المحتكرون إلى تخزين ما تصل إليه أيديهم من كميات، وهذا انعكس سلباً على أداء ورش أعمال البناء والترميم وعلى العقود العامة، وأثار مخاوف من تفاقم الأزمة مع اقتراب مرحلة إعادة الإعمار التي يُتوقّع أن ترفع الطلب على الإسمنت إلى مستويات غير مسبوقة.
في هذا السياق، تطلّب الأمر من وزارة الصناعة عدّة أسابيع لإعادة النظر في التسعيرة الرسمية. وقبل يومين صدر القرار الذي يرفع السعر الأقصى لمبيع طن الإسمنت الأسود في أرض المصنع من 92 دولاراً إلى 96 دولاراً من دون الضريبة على القيمة المضافة، فيما قضى الثاني بفتح باب استيراد الإسمنت الأسود والأبيض بموجب إجازة مُسبقة من وزارة الصناعة، في خطوة قالت الوزارة إنها تهدف إلى تأمين حاجة السوق وتحريك قطاع البناء ومنع تكرار أزمة الشح التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية.
واستندت الوزارة، في قراريها، إلى كتاب وجّهه مدير المبيعات في شركة «ترابة السبع» وعضو مجلس إدارة الاتحاد العربي للإسمنت ومواد البناء وممثّل الجمهورية اللبنانية، وليد بعينو، تضمّن دراسة مقارنة لأسعار الإسمنت في الدول العربية. وأظهر الكتاب أن سعر طن الإسمنت يبلغ 167 دولاراً في سوريا، 138 دولاراً في الأردن، 110 دولارات في العراق، 93 دولاراً في الإمارات العربية المتحدة، 90 دولاراً في كل من مصر وتركيا و85 دولاراً في السعودية.
أي إن السعر في السوق المحلية بعيد كثيراً عن الأسعار العالمية، ولا سيما في الدول التي لا تقدّم أي دعم لهذه الصناعة. ولفت إلى أن انخفاض كلفة الطاقة في الدول المُنتِجة للنفط والغاز يمنحها ميزة تنافسية تخفّض كلفة الإنتاج مقارنة بالدول المستورِدة للطاقة. وبناءً على هذه المعطيات، رأت الوزارة أنّ رفع السعر المحلي إلى 96 دولاراً يبقى أقل من الأسعار المعتمدة في عدد من الأسواق العربية، وأنه يأخذ في الاعتبار ارتفاع أسعار المواد الأولية والوقود وكلفة الإنتاج خلال السنوات الأخيرة.
لم تتلقَّ وزارة الصناعة أيّ طلب للحصول على إجازة استيراد حتى الآن
لكن رغم أهمية تعديل السعر، يبقى قرار فتح باب الاستيراد هو العنصر الأكثر تأثيراً على مستقبل السوق. فالمنافسة وحدها قادرة على زيادة العرض وكبح الأسعار ومنع تكرار الاحتكار الذي ظهر خلال أزمة الإسمنت الأخيرة. غير أن هذه الخطوة لم تدخل حيّز التنفيذ حتى الآن، إذ تؤكد معلومات «الأخبار» أن وزارة الصناعة التي فتحت الباب أمام الاستيراد لكبح الممارسات الاحتكارية في السوق وتماشياً مع الزيادة المتوقّعة في الطلب، لم تتلقَّ حتى أمس أي طلب من أي جهة ترغب في الحصول على إجازة استيراد. ويطرح ذلك أكثر من علامة استفهام حول الأسباب التي تحول دون دخول مستوردين جدد إلى السوق، سواء لجهة الكلفة، أو التمويل، أو قدرة المستوردين على منافسة المنتج المحلي، خصوصاً أن السوق تستعد لمرحلة يُتوقّع أن يرتفع فيها الطلب بشكل كبير مع بدء مشاريع إعادة الإعمار.
وفي الوقت الراهن، لا يزال الإنتاج المحلي يعتمد عملياً على شركة «سبلين» وحدها، فيما لم تبدأ شركتا «الإسمنت الوطنية» و«هولسيم» الإنتاج بعد، ما يعني أن حجم العرض لم يتغيّر مقارنة بما كان عليه خلال الأزمة. وبالتالي، فإن الرهان على انخفاض الأسعار يبقى مؤجّلاً إلى حين دخول كميات مستوردة فعلياً إلى السوق، أو عودة جميع المصانع المحلية إلى الإنتاج، بما يخلق منافسة حقيقية بين المنتج المحلي والمستورد.
وسبب توقف الشركتين عن الإنتاج يعود إلى مشكلة المقالع والكسارات غير الشرعية وعددها أكثر من 1500 تعمل من دون أي ترخيص. وهذه المقالع والكسارات تُعدّ ضرورية لإنتاج الإسمنت، لأن البديل عنها هو استيراد الكلينكر وتحويله إلى إسمنت وهو أمر كان مُربِحاً في الفترة الماضية حين كان سعر استيراد الكلينكر أقل من نحو 40 دولاراً، إلا أنه بعد الحرب ارتفع إلى ما فوق 70 دولاراً، ما يعني أن مبيعه في السوق المحلية بعد نقله وتحويله إلى إسمنت وأكلافه الأخرى يزيد على 90 دولاراً، أي تقريباً ما يساوي السعر الرسمي، وأقل منه قبل صدور قرار تعديل التسعير الأخير.




