لماذا نشعر بالغلاء في السوبرماركت أكثر من أي مكان آخر؟

عند مخرج “exit ” سوبرماركت كبير في بيروت – ومشهور بالعروضات التي يقدمها يوميا- تقف داليا، امّ لثلاثة اولاد، تدقق في فاتورة صغيرة، وتقول منذ اشهر كنت اشتري بـ 100 دولار ضعف ما اشتريته اليوم، علما ان ما وضعته في السلة ليس سلعا فاخرة ولا من الكمليات، بل حاجات يومية ضرورية!…
ما عبّرت عنه تلك السيدة، هو لسان حال كل زبائن السوبرماركات في لبنان، خصوصا في ظل الارتفاع السريع والمتواصل في الأسعار الذي يعود إلى مزيج معقد من الأزمات الأمنية، التضخم، وارتفاع كلفة الطاقة والاستيراد المستمر، مما يضع السوق اللبنانية في مسار تضخمي أعلى بكثير من المعدلات العالمية. فوفقاً لبيانات البنك الدولي وإدارة الإحصاء المركزي، يسجل معدل التضخم السنوي مستويات تفوق 16.6% .
اضف الى ذلك، ان موازنات الدولة المتتالية تفرض رسوماً وضرائب استهلاكية غير مدروسة (مثل تعديلات الدولار الجمركي والضريبة على القيمة المضافة)، التي تعمل كزيادة مباشرة في الأسعار يتحمل ثمنها المواطن الذي تآكلت قدرته الشرائية أساساً، لاسيما الموظفون وأصحاب المداخيل المحدودة.
ولكن لماذا نشعر بالغلاء في السوبرماركت، اكثر من اي مكان آخر؟!
قد يلاحظ كثيرون أن الشعور بالغلاء يبلغ ذروته عند التسوق في السوبرماركت، أكثر مما هو الحال في أي مكان آخر، حتى لو كانت المبالغ المُنفقة في أماكن أخرى أكبر بكثير، لذا يُرجع مصدر اقتصادي-اجتماعي، عبر وكالة “أخبار اليوم” هذه الظاهرة إلى مجموعة من العوامل النفسية والتسويقية المتشابكة، يمكن تحديدها على النحو الآتي:
تكرار الشراء والاحتياج اليومي
يزور معظمنا السوبرماركت بشكل دوري، أسبوعياً أو حتى يومياً، وهذا التكرار يجعلنا نحفظ الأسعار بدقة كبيرة، فنلاحظ أي زيادة طفيفة فيها فوراً. كما أن غلاء أسعار سلع أساسية مثل الحليب أو الخبز أو البيض يشعرنا بنوع من التهديد، لأنها مواد لا يمكننا الاستغناء عنها، على عكس السلع الترفيهية التي يسهل تأجيل شرائها أو الاستغناء عنها دون أن نشعر بالضغط ذاته.
تأثير “الفاتورة الطويلة”
في السوبرماركت، لا نشتري عادة منتجاً واحداً كبيراً، بل عشرات السلع الصغيرة المتفرقة. ورؤية قائمة طويلة من الأسعار مجتمعة في الفاتورة النهائية، ومشاهدة المبلغ الإجمالي يرتفع بسرعة عند صندوق المحاسبة، يعزز ما يسميه الاقتصاديون السلوكيون بـ”الألم المالي”، وهو شعور أقوى بكثير من ذلك الذي نشعر به عند شراء قطعة ملابس واحدة بالسعر نفسه، رغم تساوي المبلغ المدفوع في الحالتين.
المقارنة الفورية والأسعار المكشوفة
جميع الأسعار في السوبرماركت مكتوبة بوضوح وموضوعة تحت أعيننا مباشرة على الرفوف، وهذا الإدراك البصري المستمر يضع عقولنا في حالة دائمة من المقارنة والحساب طوال فترة التسوق، وهي حالة ذهنية تولّد بحد ذاتها شعوراً بالضغط النفسي، بخلاف عمليات الشراء الأخرى التي غالباً ما تتم بشكل أقل تكراراً وأقل تفصيلاً في عرض الأسعار.
حيل التصميم والتسويق
تلعب البيئة المادية للمتجر دوراً كبيراً في هذا الشعور أيضاً، فعربات التسوق الكبيرة تدفعنا نفسياً إلى محاولة ملئها، وعندما نجدها شبه فارغة رغم دفعنا مبلغاً كبيراً، يتولد لدينا شعور بالغلاء. كذلك فإن المسارات المدروسة داخل المتجر، التي تضع السلع الأساسية مثل الأجبان واللحوم في نهايته، تجبرنا على المرور بمئات المنتجات الأخرى في طريقنا إليها، ما يزيد من احتمال الشراء العاطفي غير المخطط له، وهو ما يرفع قيمة الفاتورة النهائية دون أن نشعر بذلك بوضوح أثناء التسوق.
التضخم في السلع الملموسة
تلجأ بعض الشركات المصنّعة أحياناً إلى تقليل حجم المنتج أو وزنه مع الإبقاء على سعره القديم كما هو، في ما يُعرف بظاهرة “شرينك فليشن” Shrinkflation. وعندما يلاحظ المستهلك أن الكمية التي يحصل عليها أصبحت أقل مقابل المبلغ نفسه الذي اعتاد دفعه، يترجم دماغه هذا الأمر فوراً على أنه غلاء حاد وغير عادل، حتى لو بقي الرقم المطبوع على الفاتورة كما هو دون تغيير ظاهري.
شراء واعٍ لا ينفي الازمة!
وانطلاقا مما تقدم، يقول المصدر: يتضح أن الشعور بالغلاء في السوبرماركت ليس مجرد انطباع عابر، بل هو نتاج تراكم عوامل نفسية وتسويقية وسلوكية تعمل معاً، بدءاً من تكرار الشراء ومروراً بتصميم المتجر ووضوح الأسعار، وصولاً إلى ممارسات تجارية.
ويلفت الى ان إدراك هذه الآليات قد يساعد المستهلك على اتخاذ قرارات شراء أكثر وعياً، بعيداً عن الضغط النفسي الذي تفرضه بيئة التسوق، لا سيما في ظل الازمة الاقتصادية والمالية الحادة التي يمرّ بها لبنان راهنا.




